الشيخ عبد الغني النابلسي

243

الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية

ووقفنا في ذلك الجناب السّامي ، مع إخواننا من القدسّي والشّامي ، وزرنا ذلك القبر الذي هناك يقال له الشيخ بدر ، فإنه بدر التّمام ، ومقام نبيّ اللّه العزير عليه السلام ، وهاتيك التّربة هناك ، المشتملة على قبور الصّالحين الكرام ، عليه رحمة الملك العلّام ، ودعونا اللّه تعالى بأنواع الدعا ، وملأنا من المثوبات الوعا ، وفاز كلّ من حضر ومن وعا ، ثم جلسنا على صفّة عند الباب مع الإخوان والأحباب ، وفقراء السادة الأدهمية تطوف بنا بهاتيك القباع شكل القباب ، فورد علينا في ذلك الحين ، سؤال مكتوب في قرطاس من بعض المحبّين وصورته : « الحمد للّه والصلاة والسّلام على سيدنا رسول اللّه ، قول بعض السّادة أهل التحقيق والإفادة / : إذا صحّ الفقر ، كان هو اللّه تفضّلوا علينا برفع هذا الحجاب عن كلام هؤلاء الكرام أهل الحقّ والصّواب ، جزاكم اللّه تعالى خيرا وأجزل لكم الثّواب » . . . فكتبنا له الجواب عن ذلك بحسب الفتوح من القدير المالك فقلنا : إذا صحّ الفقر أي تمّ تحقّق العبد بالفناء الصّرف ، انقلب فقره غنى صرفا ووجودا محضا كما أنّه إذا تمّ الليل ، كان النهار وظهور النور ، واختفى الظّلام ، وكان هو اللّه لأنّ اللّه تعالى نور السماوات والأرض ، والسماوات والأرض ظلام ، فإذا ظهر النّور بطل الظلام ، ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل ، وقال تعالى وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً « 1 » وإذا لم يصحّ الفقر ، أي لم يتمّ تحقّق العبد به ، لا يكون هو اللّه بل هو العبد حينئذ لأن اللّه منّزه عن العالمين ، واللّه أعلم وهو القويّ المتين . ثم ذهبنا فزرنا مقبرة السّاهرة « 2 » التي هي فوق الزاوية الأدهمية المذكّرة بالآخرة ، ومن المشهور ، في حقّ ذلك الأمر المذكور ، أن الأموات فوق الأحياء ، وهو أمر مشهور ظاهر من غير إخفاء ، قال الحنبلي في تاريخه :

--> ( 1 ) سورة الإسراء / 81 . ( 2 ) المقبرة الثالثة الكبرى في القدس ، انظر : أجدادنا في ثرى القدس / 142 .