الشيخ عبد الغني النابلسي
222
الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية
احتمال ذلك فلا يبعد ، فإنه قد نقل من تاريخ متقدّم ولم يثبت تاريخ يعارضه ، ولا يلزم من فرضه محال ، ولا يخفى على المنصف الفهم أنه إذا لم يثبت تعيين فيما اشتهر في الصدر الأول أنّ التاريخ المتقدم أقرب إلى الصّحة ، واللّه أعلم بحقيقة الحال . وكذا نقل هذا الكلام أيضا الشيخ الإمام العلّامة برهان الدين إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن ضيا بن سباع الفزاري « 1 » الشّافعي في رسالته التي سمّاها « تبيين الأمر القديم المروي في تعيين قبر الكليم » ، وهو الجازم أنّ قبر موسى صلّى اللّه عليه وسلم في دمشق الشّام في مسجد القدم المذكور ، ثم أورد الأحاديث التي ذكرناها نحن فيما سبق ، وتكلّف وتعسّف في دلالتها على ما أراد ، ومن العجائب أنّه نقل عن الإمام الجليل محمد بن جرير الطبري في تفسيره ، وتابعه على هذا النقل أيضا الشيخ الإمام محمد بن طولون الصالحي في رسالته التي تقدم ذكرها / حيث قال الطبري في الكلام على قوله عزّ وجلّ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً « 2 » ، الآية : وافتتح قرية الجبّارين موسى وسار بهم إلى أريحا ودخلها وقتل من بها من الجبابرة الذين كانوا فيها ، وأقام بها ما شاء اللّه أن يقيم ، ثمّ قبضه اللّه عزّ وجلّ لا يعلم قبره أحد من الخلائق ورجّح ذلك واستدلّ به وجعله الصواب . وقال الثعلبي : اختلف العلماء على يد من كان الفتح ، فقال قوم : إنّما فتح أريحا موسى بمن بقي من بني إسرائيل ، وإنّه دخلها وأقام بها ما شاء اللّه أن يقيم ، ثم قبضه اللّه جلّ وعلا ، لا يعلم قبره أحد ، قال : وهذا أصحّ الأقوال ، انتهى . فإنّ موت موسى عليه السلام في أريحا وإن لم يكن قبره هناك معلوما فإنّه يكاد أن يكون صريحا بأنه هو القبر الموجود الآن في غور أريحا المشهور في بيت المقدس وغيرها أنّه قبر السيّد موسى عليه السّلام ، لا أنّ ذلك يقتضي كونه في دمشق الشّام ، أو غيرها من البلاد ، فإن الأصل في حقّ الميّت بأرض أنه مدفون فيها ، ما لم يثبت أنّه نقل منها إلى غيرها من الأرض كما
--> ( 1 ) يعرف بابن الفركاح . توفي سنة 729 ه . معجم المؤلفين 1 / 43 . وقد تقدمت ترجمته . ( 2 ) سورة المائدة / 16 .