الشيخ عبد الغني النابلسي
218
الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية
أين توجّه ، فماج الناس في أمره ولبثوا ثلاثة أيام ، فلمّا كانت ثالث عشيّتهم ، جاءت سحابة على قدر محلّة بني إسرائيل فسمعوا مناديا يقول بأعلى صوته : مات موسى وأي نفس لا تموت ؟ / يكرر ذلك القول حتّى فهمت الناس كلامه وعلموا أنّه قد مات ، ولم يعرف أحد من الخلائق أين قبره ، فقيل ، وهو المشهور عند النّاس ، إنّه شرقي بيت المقدس ، بينهما مرحلة ، وطريقه عسيرة لكثرة الوعر ، وعليه بناء ، وداخله مسجد وعلى يمينه قبّة معقودة بالحجارة وفيها ضريح يوضع عليه في أيام موسم زيارته ، ستر من حرير أسود ، وعليه طراز أحمر مزركش دائر على جميع أطرافه ، والأكثرون على أنّ هذا قبره . وفي الصحيح أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلم مرّ ليلة أسري به على موسى وهو قائم يصلّي في قبره ، وقبره عند الكثيب الأحمر ، والذي بنى القبّة المذكورة الملك الظاهر عند عوده من الحجّ وزيارة بيت المقدس سنة ثمان وستين وستمائة ، ثم بنى أهل الخير وزادوا زيادات في المسجد وحوله ، فحصل النفع للزائرين بذلك ، ثم في سنة خمس وسبعين وثمانمائة وسّع داخل المسجد من جهة القبلة ولم تكمل عمارته إلى سنة خمس وثمانين وثمانمائة ثم بنى به منارة بعد الثمانين والثمانمائة ، وهذا المكان بالقرب من غور أريحا من أعمال القدس ، وأهل بيت المقدس يقصدونه في كل سنة عقب الشتاء ويقيمون عنده أيّاما ، وقد ظهر في هذا المكان أشياء من أنواع المعجزات ، منها أنّه عند الضّريح الذي بداخل القبّة لا يزال يرى فوق المحراب خيال أشباح ، ألوانهم مختلفة ، فمنهم صفة الراكب ، ومنهم صفة الماشي ، ومنهم على كتفه رمح وغير ذلك من الصفات ، وللناس في ذلك أقوال مختلفة ، فيقال إنهم الملائكة ، ويقال إنّهم الصّالحون ، وينظرهم كلّ الناس من الرجال والنساء والأطفال ، لا يخفون على أحد ، ومنها أنّه إذا دخل للمسجد امرأة عليها حيض أو جنابة أو فعل أحد حول المسجد شيئا من المعاصي ، يثور هواء وعجاج في تلك البرّية حتى لا يرى الرّجل من إلى جانبه ، وغير ذلك من الخوارق الباهرات التي يستدل بها