الشيخ عبد الغني النابلسي
204
الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية
لا تزال الأرواح تأوي إليه * فيه أجسامها ترى تقويتا جبل مشرف على القدس شرقا * زاده اللّه بالكمال نعوتا حيث أضحى للصّالحين مقرّا * ليت أنّي ما عنه حاولت ليتا ثمّ رجعنا من زيارة الطور ، فجئنا إلى مقبرة باب الرحمة « 1 » ، نرتجي كمال الأجور ، وهي بجوار سور المسجد الشرقي فوق وادي جهنّم ، وهي تربة مأنوسة لقربها من المسجد ، وهي أقرب الترب إلى المدينة ، فزرنا بها قبر الصّحابيين الجليلين شداد بن أوس وعبادة بن الصّامت رضي اللّه عنهما ، فوقفنا هناك ، وقرأنا الفاتحة ودعونا اللّه تعالى بما تيسّر من الدعاء لجميع من سكن تلك الجبّانة من المسلمين والمسلمات ، وكان معنا رجل من ذرّيّة عبادة بن الصّامت رضي اللّه عنه ، ثم دخلنا إلى المدينة من باب الأسباط ، فمررنا على المدرسة الصلاحية « 2 » لنتبرك بها ونشهد آثار العلماء الذين أقاموا بها الدروس سابقا من علماء الإسلام ، فدخلناها فوجدناها مدرسة عظيمة ، آثار أبنيتها قديمة ، وكأنها كانت سابقا كنيسة ، فإنّ واجهة بابها يؤذن بذلك ، وكذلك في داخلها الأعمدة والسقوف النفيسة ، ويقال إنّ فيها قبر حنّة أم مريم عليها السلام كما ذكره الحنبلي في تاريخه ، وقد وقفنا على هذا القبر المذكور في داخل المدرسة المذكورة في مكان مكشوف فضاؤه ، ظاهر لألاؤه وضياؤه ، ينزل إليه بدرج من الحجر ، والعامّة يقولون إنّه قبر هيلانة ، أمّ قسطنطين التي بنت الكنيسة الجسمانية التي فيها قبر مريم عليها السلام ، كما قدّمنا ذلك .
--> ( 1 ) المقبرة الإسلامية في القدس ، يقال إن فيها عددا من الصحابة والأولياء ، ولمزيد من التوسّع ارجع إن شئت إلى « أجدادنا . . . » ص 133 - ص 143 ففيه دراسة ضافية عنها . ( 2 ) المدرسة الصلاحية : أنشأها صلاح الدين عقب تحرير القدس سنة 583 ه مكان دير أو كنيسة أقامها الصليبيون ، وكانت قبل الإسلام تعرف ب « صند حنّة » ، وعندما احتلّ الأنكليز فلسطين سارعوا إلى إعادتها إلى « الآباء البيض » الذين حوّلوها إلى كنيسة ومتحف ومكتبة ومدرسة . انظر كنوز القدس / 102 .