الشيخ عبد الغني النابلسي
131
الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية
الواحد بن رزق الرّازي قال ، قدم أبو زرعة قاضي فلسطين إلى مسجد إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ، فجئت أسلّم عليه وقد جلس عند قبر سارة في وقت الصلاة ، فدخل شيخ فدعاه وقال : يا شيخ أيّما قبر إبراهيم من هؤلاء ، فأومى له الشيخ إلى قبر إبراهيم عليه السلام ومضى ، وجاء شاب آخر فدعاه وقال له مثل ذلك ، فأومى إليه ، فقال أبو زرعة ، أشهد أنّ هذا قبر إبراهيم / لا شك فيه ، نقل الخلف عن السّلف ، كما قال مالك بن أنس رضي اللّه عنه ، إنّ نقل الخلف عن السّلف أصحّ الحديث ، لأنّ الحديث ربّما يقع فيه الخطأ ، والنقل لا يقع فيه خطأ ، ولا يطعن في ذلك إلا صاحب بدعة أو مخالف ، ثم قام ودخل إلى داخل المسجد فصلّى الظهر ، ثم رحل من الغد ، انتهى . [ الالتزام بالخير المتواتر ] فانظر ما أكثر إنصاف هذا العالم الفاضل ، الجامع لأنواع الفضائل ، حيث عمل بما هو معلوم عنده من حكم الخبر في ثبوت قبر الخليل عليه السّلام بطريق نقل الخلف عن السّلف كما هو معلوم في الأخبار النبويّة ، واستفاضة ذلك بين العوام والخواصّ من الناس ، فكذلك نقول نحن في كلّ ما هو نظير ذلك من ثبوت قبور الأنبياء عليهم السّلام كقبر موسى وداود ونوح وشيث « 1 » وغيرهم ، وقبور الأولياء كذلك ، ومثل ذلك آثار الأقدام النبوية في الأحجار كقدم النبي صلّى اللّه عليه وسلم في صخرة بيت المقدس وغيرها ، وقدم إبراهيم عليه السلام في الحجر عند الكعبة ، وغير ذلك مما تخبر به الناس ، ويأخذه خلفهم عن سلفهم ، بقصد التبرّك بالآثار الشريفة ، ولا يلتفت إلى من طعن في ذلك وأنكره وما التفت إلى نقل الخلف عن السّلف ، ولا اعتبر تواتر الخبر بذلك من
--> - الحسين بن علي ، ومع ذلك فإنّه لا صحة لذلك ، وهذا يعني أن ما يقوله أهل بلد عن بلدهم ، لا يؤخذ على علاته ، ولا يعد إجماعهم حجّة ولا يعدّ سكوت من سبقهم حجّة ، والحجة في الأمور الشرعية هي النصوص الشرعية الثابتة ، قطعيّة الدلالة ، وليس غير ذلك ، وفي معجزات النبي الكريم الثابتة ما يغني عن التمسك بالأخبار المختلف عليها . ( 1 ) ليس ثمة ما هو ثابت شرعا من قبور الأنبياء إلا قبر خاتمهم محمد عليه الصلاة والسّلام ، أما قبور الأولياء والصالحين فغير ثابتة ، وغالبا ما نجد أكثر من قبر للواحد منهم ، مثل قبر بلال الحبشي ، والسيدة زينب والحسين وأبي يزيد البسطامي وغيرهم .