الشيخ عبد الغني النابلسي
119
الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية
السّلام وذكر صلب اليهود لذلك الرّجل المشبّه بعيسى وأنّهم جعلوا مكانه قمامة لهم وقال : ومن ثم اتخذوا الصلبانات وقبّلوها لعنهم اللّه تعالى ، وأمرت أمّ الملك ، هيلانة ، فأزيلت تلك القمامة ، وبني مكانها كنيسة هائلة مزخرفة بأنواع الزّينة وهي هذه المشهورة اليوم ببلد بيت المقدس التي يقال لها القمامة باعتبار ما كانت من قبل ، ويسمّونها القيامة ، يعنون التي يقوم حينئذ المسيح منها ، ثم أمرت هيلانة بأن توضع قمامة بيت المقدس وكناسته وقاذوراته على الصخرة التي هي قبلة اليهود ، فلم يزل كذلك حتى فتح عمر بن الخطاب بيت المقدس فكنس عنها القمامة بردائه وطهّرها من الأخباث والأنجاس ، ولم يضع المسجد وراءها ولكن أمامها حيث صلّى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ليلة الإسراء بالأنبياء ، وهو الأقصى انتهى . فعلى ما ذكر هنا يكون اسم الكنيسة بالقمامة باعتبار أنّها كانت من قبل كذلك ، تلقي اليهود قماماتهم ، لا بسبب ما ذكره الحنبلي فيما تقدم قريبا ، فيكون لما لم يمكنهم إخفاء الصّخرة بالكليّة ، ولم يتيسّر لهم بقاء ما عملوه من إهانتها ، قد أظهرها اللّه تعالى بإظهار الإسلام وفتح بيت المقدس . ثم إنّهم لمّا استولوا على بيت المقدس ثانيا في ذلك التاريخ المذكور بنوا البنيان حول الصخرة ، وأخفوا هذه الآية الباهرة بغضا منهم لها وزيادة كفر وعناد ، واللّه أعلم بما هو الحقّ في نفس الأمر . ثم لمّا فتح المسلمون بيت المقدس في ثاني مرّة « 1 » ، ظنّوا أنّ الأمر كان في الأصل كذلك فأبقوه على حاله ، ولم يغيّروا ذلك البنيان . وممّا يؤيد كون صخرة بيت المقدس معلّقة بين السماء والأرض ما ذكرناه فيما سبق مما ورد في الأحاديث ، أن مياه الأرض / كلّها من تحت الصّخرة ، وكذلك الأنهار والرياح ، فإنها لو لم تكن معلقة بين السّماء والأرض لم يتمّ ذلك ، والمنصف يتأمّل في الأخبار فيزيد عنده في ذلك استبصار .
--> ( 1 ) كان ذلك سنة 583 ه على يد صلاح الدين الأيوبي ، رحمه اللّه .