الشيخ عبد الغني النابلسي
120
الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية
[ من حلف أن الصخرة معلقة ] وفي فتاوى العلّامة الشيخ شهاب الدين بن حجر الهيتمي « 1 » رحمه اللّه تعالى ، سئل عمّن حلف بالطلاق الثلاث أن صخرة بيت المقدس مرتفعة في الهواء بين السّماء والأرض ، وحلف آخر أنّها متّصلة موضوعة على البناء الذي تحتها ما الحكم ؟ فأجاب : إن أراد الأوّل بارتفاعها في الهواء أنّها غير متّصلة بالبناء الذي بني تحتها حنث لكذبه في ذلك ، نعم إن غلب على ظنه ذلك فحلف اعتمادا على غلبة ظنّه ، لم يحنث ، وأمّا الثاني فلا يحنث لأنّ الاتصال بالبناء موجود ، فإن اتفقا على اتّصالها بالبناء وحلف واحد أنّها معتمدة عليه لم يحنث ، لأن الاعتماد أمر مشكوك فيه ، يحتمل وجوده ويحتمل عدمه ، ومثل هذا لا يمكن أن يحنث فيه أحدهما ، لأنّه تحكّم ، ولا هما ، لأن أحدهما صادق ، فهو كمسألة ما لو قال : إن كان هذا الطائر غرابا فامرأتي طالق ، فلا يحنث واحد منهما ظاهرا ، وإن كان أحدهما حانثا قطعا لعدم يقينه انتهى . والحاصل أنّ اللّه تعالى أخفى آية الصخرة ، بهذا البنيان الذي حولها ، حكمة منه سبحانه ، وإن كان أمرها لا يخفى على أهل البصائر وأصحاب القلوب الطّاهرة والسّرائر ، خصوصا عند من يتأمّل في قوله تعالى سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا ، فإنّه يفهم منه أنّ حكمة الإسراء من مكّة إلى بيت المقدس لأجل المعراج إلى السماوات ، الذي هو مقصود من ذلك لتلقي فرض الصلاة وغيره ، ولم يكن المعراج ابتداء من مكّة من غير إسراء إلى بيت المقدس ، مع أن ذلك أسهل في حقّ النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وأقل تعبا ، ولكن ليريه تعالى من آياته أي آية من آياته ، وهي الصّخرة التي هي معلّقة بين السماء والأرض ، ممسوكة بقدرة اللّه تعالى الذي يمسك السّماء أن تقع على الأرض ، ولو لم تكن معلّقة / بين السّماء والأرض ، لم تكن آية ، فكونها آية أي دالة على أنّه
--> ( 1 ) أحمد بن محمد الأنصاري الشافعي ، المتوفى سنة 973 ه . معجم المؤلفين ومصادره 2 / 152 .