الشيخ عبد الغني النابلسي

10

الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية

وهذه المكانة التي اكتسبها لم تكن بسبب علمه وأدبه فحسب ، بل كانت نتيجة مباشرة للدور الكبير الذي لعبه الشيخ في حياة دمشق على مدى سبعين عاما ، وسنتناول فيما يلي ثلاثة نماذج توضّح ما نحن بصدده . 1 - محنته مع أهل دمشق : عندما بلغ الشيخ الأربعين ، اختلى بنفسه في داره بجوار الأموي ، وكان قليل الطعام والكلام والنوم ، وقد أطلق شعر لحيته ورأسه وأظافره وصارت تعتريه السّوداء ، وصدرت عنه أحوال عجيبة وأطوار غريبة ، وتكلّم الحسّاد فيه بما لا يليق من أنه يترك الجمعة والجماعة وأنّه يهجو الناس بشعره ، وقام أهل الشام عليه ، وصدر منهم في حقّه ما لا يرضى من الأفعال والأقوال ، وبقي على هذا المنوال سبع سنين ، وفي آخرها أقبل عليه أهل الشّام وأقبل عليهم وعادت محبّتهم له مضاعفة ، وكشف اللّه الغمّة ، وصار شيخ دمشق الأوّل غير منازع يرشد أهلها ويتصدّى معهم للظلم والطغيان . 2 - موقفه من الدخان والقهوة : دخلت القهوة والدخان دمشق والعالم الإسلامي في القرن العاشر الهجري ، وانقسم الناس حيالهما ، ولا سيّما الدخان ، بين مؤيّد ومعارض ، ومحلّل ومحرّم ، وكثر الخوض في ذلك وخشيت الفتنة ، فانبرى الشيخ إلى وضع رسالة حاسمة في الموضوع ، سمّاها « فتوى الإخوان في حلّ شرب الدّخان » ، وقد بيّن فيها بالأدلّة الشرعيّة أن تحريم الحلال مثل تحليل الحرام ، وأنّه لم يرد في الدخان شيء ، وأنه لا يجوز مقارنته بالخمر والحشيش ، وقد ذكر طرفا من ذلك في رحلته هذه ، وبغض النظر عن كل شيء ، فإن المصنّف المذكور وأمثاله يدلّ على شجاعة الشيخ عبد الغني وتحرّره من الجمود والانعزال واندماجه في مشكلات المسلمين الطارئة .