جلال الدين السيوطي
52
حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة
ينتخبه من الشجعان الكماة ، وأن يؤكّد عليهم في استعمال أسباب الحيطة والاستظهار ، ويوقظهم إلى الاحتراس من غوائل الغفلة والاغترار ، وأن يكون المشار إليهم ممن تربّوا في ممارسة الحروب على مكافحة الشدائد ، وتدرّبوا في نصب الحبائل للمشركين والأخذ عليهم بالمراصد ، وأن يعتمد هذا القبيل بمواصلة المدد ، وكثرة العدد ، والتّوسعة في النفقة والعطاء ، والعمل معهم بما يقتضيه حالهم وتفاوتهم في التقصير والعناء ، إذ في ذلك حسم لمادة الأطماع في بلاد الإسلام ، وردّ لكيد المعاندين من عبدة الأصنام ؛ فمعلوم أنّ هذا الفرض أول ما وجّهت إليه العنايات وصرفت ، وأحقّ ما قصرت عليه الهمم ووقفت ؛ فإنّ اللّه تعالى جعله من أهمّ الفروض التي لزم القيام فيها بحقّه ، وأكبر الواجبات التي كتب العمل بها على خلقه ، فقال سبحانه وتعالى هاديا في ذلك إلى سبيل الرشاد ، ومحرّضا لعباده على قيامهم له بفرض الجهاد : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ . . . [ التوبة : 120 ] ، إلى قوله تعالى : لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ التوبة : 21 ] ، وقال تعالى : وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [ البقرة : 191 ] ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من نزل منزلا يخيف فيه المشركين ويخيفونه ، كان له كأجر ساجد لا يرفع رأسه إلى يوم القيامة ، وأجر قائم لا يقعد إلى يوم القيامة ، وأجر صام لا يفطر » . . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « غدوة في سبيل اللّه أو روحة خير ممّا طلعت عليه الشمس » ، هذا قوله صلى اللّه عليه وسلم في حقّ من سمع هذه المقالة فوقف لديها ، فكيف بمن كان قال عليه السّلام : « ألا أخبركم بخير النّاس ! ممسك بعنان فرسه في سبيل اللّه ، كلّما سمع هيعة « 1 » طار إليها » . وأمره باقتفاء أوامر اللّه تعالى في رعاياه ، والاهتداء إلى رعاية العدل والإنصاف والإحسان بمراشده الواضحة ووصاياه ؛ وأن يسلك في السياسة به سبيل الصّلاح ويشملهم بلين الكنف وخفض الجناح ، ويمد ظلّ رعايتهم على مسلمهم ومعاهدهم ، ويزحزح الأقذاء والشوائب عن مناهلهم في العدل ومواردهم ، وينظر في مصالحهم نظرا يساوي فيه بين الضعيف والقويّ ، ويقوم بأودهم قياما تهتدي به ويهديهم إلى الصراط السويّ ؛ قال اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ . . . [ النحل : 90 ] . وأمره باعتماد أسباب الاستظهار والأمنة واستقصاء الطاقة المستطاعة والقدرة الممكنة ، في المساعدة على قضاء تفث « 2 » حجّاج بيت اللّه الحرام ، وزوّار نبيّه عليه أفضل الصلاة والسلام ، وأن يمدّهم بالإعانة في ذلك على تحقيق الرجاء وبلوغ المرام ،
--> ( 1 ) الهيعة : صوت تفزع منه وتخافه من عدوّ . ( 2 ) التفث : الوسخ .