جلال الدين السيوطي

270

حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة

الحكم : كان محمد بن نصر عندنا إماما ؛ فكيف بخراسان ! وقال غيره : لم يكن للشافعيّة في وقته مثله . وعنه أنه قال : مكثت في مصر مدّة أنفق فيها في كلّ سنة عشرين درهما . مات في المحرّم سنة أربع وتسعين ومائتين وهو في عشر التسعين . قال ابن كثير في تاريخه : روى أنّه اجتمع في الديار المصرية محمد بن نصر ومحمد بن جرير ومحمد بن المنذر ؛ فجلسوا في بيت يكتبون الحديث ؛ ولم يكن عندهم في ذلك اليوم شيء يقتاتونه ؛ فاقترعوا فيما بينهم من يسعى لهم في شيء يأكلونه ؛ ليدفعوا عنه ضرورتهم ، فجاءت القرعة على أحدهم ؛ فنهض إلى الصّلاة ، فجعل يصلّي ، ويدعو اللّه ؛ وذلك وقت القيلولة ، فرأى نائب مصر وهو نائم وقت القيلولة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو يقول له : أنت ههنا والمحمّدون ليس عندهم شيء يقتاتونه ! فانتبه الأمير من منامه ؛ فسأل : من ههنا من المحمّدين ؟ فذكر له هؤلاء الثلاثة ، فأرسل إليهم في الساعة بألف دينار . ويشبه هذا ما حكاه ابن كثير أيضا في ترجمة الحسن بن سفيان الفسويّ محدّث خراسان ، قال : من غريب ما اتّفق له أنّه كان هو وجماعة من أصحابه بمصر في رحلتهم للحديث ؛ منهم محمد بن خزيمة ومحمد بن جرير ومحمّد بن هارون الرّوياني ؛ فضاق عليهم الحال حتّى مكثوا ثلاثة أيام لا يأكلون شيئا ؛ واضطرهم الحال إلى السؤال ؛ فأنفت نفوسهم من ذلك ؛ ثمّ ألجأتهم الضّرورة إلى تعاطي ذلك ؛ فاقترعوا فيما بينهم ، فوقعت القرعة على الحسن بن سفيان ، فقام فاختلى في زاوية المسجد الّذي هم فيه فصلّى ركعتين طال فيها ، واستغاث بالله وسأل بأسمائه العظام ؛ فما انصرف من الصّلاة حتّى دخل المسجد رجل ، فقال : أين الحسن بن سفيان ورفقته ؟ فقالوا : ها نحن ، فقال : الأمير ابن طولون يقرأ عليكم السلام ، ويعتذر إليكم في تقصيره ؟ وهذه مائة دينار ؛ لكلّ واحد منكم ؛ فقالوا له : ما الحامل له على هذا ؟ فقال : إنّه أحبّ اليوم أن يختلي بنفسه ؛ فبينما هو الآن نائم إذ جاءه فارس في الهواء ، بيده رمح ؛ فدخل عليه المنزل ، ووضع عقب الرمح في خاصرته ، فوكزه به ، وقال : قم فأدرك الحسن بن سفيان وأصحابه قم فأدركهم ، قم فأدركهم ؛ فإنّهم منذ ثلاثة أيام جياع في المسجد الفلانيّ ، فقال له : من أنت ؟ قال : أنا رضوان خازن الجنان ؛ فاستيقظ الأمير وخاصرته تؤلمه ألما شديدا ؛ فبعث بالنفقة في الحال ؛ ثمّ جاء لزيارتهم ، واشترى ما حول ذلك المسجد ، ووقفه على الواردين إليه « 1 » .

--> ( 1 ) تهذيب التهذيب : 9 / 489 . تقريب التهذيب : 2 / 213 . الكاشف : 3 / 103 . معجم المؤلّفين : 12 / 78 . طبقات الحفاظ : 284 . الوافي بالوفيات : 5 / 11 .