كي لسترنج

44

بلدان الخلافة الشرقية

بغداد . وقد كانت عند منتهى نهر قصير يحمل من الفيض إلى الغرب - والفيض هو دجلة العوراء على ما كان يعرف به شط العرب في الغالب حينذاك . ودجلة الحالي على ما يرى في الخارطة الحديثة ، يجرى في شرق شط الحي منسلا من عند قرية يقال لها اليوم كوت العمارة « 1 » ، وهي في موضع بلدة ماذرايا القرون الوسطى . ومجرى دجلة الحالي هذا إلى القرنة هو المجرى نفسه الذي كان أيام الساسانيين على ما يبدو ، حين لم تكن البطيحة العظمى التي وصفها البلدانيون العرب قد تبطّحت . وقد ذهب المؤرخ البلاذري إلى أن نشأة البطيحة كانت في أيام قباذ الأول « 2 » الملك الساساني ، وقد تولى العرش في أواخر المئة الخامسة للميلاد . ففي أيامه اغفل أمر السدود في دجلة اغفالا دام سنين كثيرة . وارتفعت المياه فجأة فتدفقت من جملة بثوق ، فغلب الماء على ما كان من الأرضين منخفضا في جنوبه وجنوبه الغربى . وفي عهد أنوشروان العادل ابن قباذ وخليفته ، رممت السدود بعض الترميم حتى عادت تلك الأرضين إلى عمارتها وزراعتها . الا أنه في عهد كسرى أبرويز ، وقد عاصر النبي محمد ، زاد الفرات ودجلة ثانية في نحو السنة السابعة أو الثامنة للهجرة ( 629 م ) « 3 » زيادة عظيمة لم ير مثلها قبلها . وانبثقت بثوق عظام في مواضع لا تحصى ، وغلب الماء على الأرضين . وعلى ما جاء في البلاذري ، ان كسرى أبرويز ، ركب بنفسه لسد تلك البثوق بعد فوات الاوان و « نثر الأموال على الأنطاع وقتل الفعلة بالكفاية وصلب على بعض البثوق فيما يقال أربعين جسّارا في يوم ، فلم يقدر للماء على حيلة » . ولما لم تعد المياه إلى حالها الأولى ، أصبحت ما غمرته من بقاع بطيحة دائمة . إذ أنه

--> ( 1 ) راجع عن كوت العمارة كتاب « مباحث عراقية » ليعقوب سركيس ( ص 264 - 283 و 312 - 314 بغداد 1948 ) ( م ) . ( 2 ) حكم قباذ الأول من سنة 488 - 531 للميلاد . وكسرى أنوشروان من 531 - 579 للميلاد ( م ) . ( 3 ) وهم المؤلف في قوله ان زيادة الفرات ودجلة كانت في سنة سبع أو ثمان من الهجرة . فقد قال البلاذري في هذا الشأن : « ثم لما كانت السنة التي بعث فيها رسول اللّه ( ص ) عبد اللّه بن حذافة السهمي إلى كسرى ابرويز وهي سنة سبع من الهجرة ويقال « سنة ست » زاد الفرات ودجلة زيادة عظيمة لم ير مثلها قبلها ولا بعدها » . ويؤخذ من ذلك ان سنة 629 م التي ذكرها المؤلف أعلاه لا تتفق هي وسنى حكم كسرى ابرويز ، إذ انه حكم من سنة 590 إلى سنة 628 للميلاد . فزيادة الأنهار حصلت في آخر سنة من حكمه وهي 628 المقابلة لسنة 6 و 7 للهجرة ( م ) .