كي لسترنج

45

بلدان الخلافة الشرقية

للفوضى التي سادت السنوات التالية ، ولقيام الجيوش الاسلامية باكتساح بلاد ما بين النهرين ، ولانحلال المملكة الساسانية ، بقي حال السدود على ما آلت اليه مغفلة بطبيعة الحال . « فكانت البثوق تنفجر فلا يلتفت إليها ، ويعجز الدهاقين ( أي النبلاء الفرس الذين كانوا يملكون تلك الأرض ) عن سد عظمها فاتسعت البطيحة وعرضت » . والاخبار المارة الذكر عن تكوّن البطيحة الكبرى وإشارة ابن رسته إلى هذه الحقبة من آخر عهد الساسانيين ، تبين أول تحول كبير لدجلة من مجراه الشرقي ، فيما وراء ماذرايا ، إلى مجراه الغربى ( أي شط الحي ) « 1 » . ثم أن دجلة « خرقت الأرض حتى مرت بين يدي واسط قبل أن تكون واسط » . فلما تحولت دجلة على ما ذكر ابن رسته - صارت الأرضين المتاخمة للمجرى الشرقي القديم صحارى ومفاوز ، وقد كانت على هذه الحال في المئة الثالثة ( التاسعة ) حين كتب كتابه . ثم وصف ابن رسته ما بقي من دجلة - وكان طوله ستة فراسخ ( فوق القرنة ) - الصاعد شمالا إلى عبدسى والمذار حيث سكرت دجلة « 2 » وواضح أن هذا النهر هو أسافل مجرى دجلة الشرقي القديم والحديث . وقال ابن رسته ان هذا السكر ، وقد كان في أيامه يعرقل الملاحة فيما فوق هذا الموضع ، لم يكن موجودا في أيام الساسانيين . فكانت السفن تجرى إلى شمال عبدسى والمذار حتى ملتقاه بدجلة ( أي دجلة أيامه ) ثانية في كورة في شمال واسط ( في ماذرايا ) حتى تأتى المدائن ، فلا عائق في النهر يحول دون سير السفن . ثم يوالى ابن رسته قوله : « فكانت سفن البحر قبل الاسلام تجرى من بلاد الهند ، فتدخل دجلة البصرة ( أي فيض دجلة ) حتى تأتى المدائن ( طيسفون ) فتمر حتى تخرج فوق فم

--> ( 1 ) سبق لنا القول إن دجلة تحول مجراه إلى ما يعرف اليوم بالدجيلة لا إلى شط الحي أي الغراف وهو غير الدجيلة ( م ) . ( 2 ) قال ابن رسته في ذلك ما يأتي : « ثم إن دجلة هذه التي هي اليوم سكرت من عند الخيزرانية ليعود الماء إلى دجلة العوراء وينفذ إلى المذار فيصير إلى بقية دجلة العوراء ، فخرقت وانفق عليها كسرى ابرويز مالا عظيما فأعياه ذلك وجرت دجلة في موضعها الذي هو اليوم بين يدي واسط ، فصارت البطائح هذه التي تكون اليوم فاعورت دجلة من ذلك الموضع المكسور إلى مذار وبطلت تلك البطائح التي كانت بجوخى فبقى من دجلة دجلة العوراء من المذار إلى بحر الهند وذلك في مقدار ثلاثين فرسخا . وهي دجلة البصرة ، واليه ينتهى مد البحر ومنه يجزر إذا رجع الماء إلى البحر » ( الاعلاق النفيسة . ص 95 ) ( م ) .