كي لسترنج

43

بلدان الخلافة الشرقية

وكان يبلغ طوله زهاء مئة ميل في أعدل الخطوط . وهذا ما يرى في الخارطة الحديثة . ويغلب على الظن أن دجلة كان منذ صدر الاسلام حتى منتصف المئة لعاشرة ( السادسة عشرة ) إذا تجاوز أسفل بغداد بمئة ميل انحرف عن اتجاهه الجنوبي ، حيث مجراه الحالي ، فانساب إلى واسط في مجرى يعرف اليوم بشط الحي ( أي شط الحية ) « 1 » على ما سيأتي بيانه . وكانت مدينة واسط على جانبي النهر . وعلى نحو ستين ميلا أسفل من واسط كان دجلة يوزع معظم مائه على أنهار الري ، وكانت بقيته تتشعب ثم تفنى في البطيحة العظمى . وكانت البطيحة العظمى طوال القرون الوسطى ، تتبطّح في رقعة يبلغ عرضها خمسين ميلا وطولها قرابة مئتى ميل ، وتمتد جنوبا حتى تناوح البصرة . وكانت البطيحة يأتيها الماء من الفرات عند موضع في شمالها الغربى ، يبعد بضعة أميال عن جنوب الكوفة ، إذ كان عمود الفرات في تلك الأيام شط الكوفة . ولم يكن شط الحلة حينذاك ( وهو عموده الآن ) الا نهرا عظيما للرى يعرف بنهر سورا . وكان على الحافة الشمالية من أسفل البطيحة العظمى ، أهوار يوصل ما بينها أزقة لسير السفن . وقد كان دجلة يدخل البطائح عند القطر ، وكانت السفن تخرج منها إلى موضع ( قرب القرنة الحالية ) تجتمع فيه مياه الفرات ودجلة فتجرى في نهر أبى الأسد إلى رأس فيض شط العرب « 2 » ، وكانت سفن النهر تنحدر في هذا الطريق المائي دون أن تلقى صعوبة من بغداد حتى البصرة . والبصرة فرضة

--> ( 1 ) لا نرى رأى المؤلف في تفسير شط الحي بشط الحية فالحي هنا بمعنى محلة القوم وربعهم ، ومنه حي واسط وهي بلدة الحي اليوم ، وبها عرف هذا النهر لوقوعها عليه ، ويقال له أيضا نهر الغراف ، وهو غير النهر الذي تقوم عليه اطلال واسط ، فان عقيق هذا النهر يعرف في يومنا بالدجيلة وهو دجلة قبل رجوعه إلى مجراه الشرقي الحالي ( م ) . ( 2 ) هذا ما قاله البلاذري في هذا الصدد : « وكانت دجلة تصب إلى دجلة البصرة التي تدعى العوراء في انهار متشعبة ومن عمود مجراها الذي كان باقي مائها يجرى فيه وهو كبعض تلك الأنهار » ( فتوح البلدان . ص 290 طبعة مصر ) . وقال ابن رسته : « ويخرج من هذه البطائح انهار . من ذلك - نهر المرة ويصب هذا النهر في دجلة العوراء . ومن ذلك نهر يقال له نهر أبى الأسد وهو قريب من نهر المرة ويصب في دجلة العوراء . ويمتزج هذا الماء بماء البحر الذي يدخل في دجلة العوراء من ماء المد . ومن ذلك نهر في أسفل البطائح مما يلي قصر انس بن مالك يقال له نهر ابن عمر ، وهو عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز ، حفره في ولاية بنى أمية ليعذب ماء أهل البصرة . وطوله أربعة فراسخ من أسفل البطائح إلى فيض البصرة . ونهر ابن عمر يصب في نهر البصرة . وما صار في فيض البصرة وقع في نهر الأبلة حتى يخرج إلى دجلة العوراء ثم يقع في بحر الهند » ( الاعلاق النفيسة . ص 94 ) . ( م ) .