كي لسترنج

42

بلدان الخلافة الشرقية

ولما فتح المسلمون العراق في خلال النصف الأول من المئة الأولى للهجرة ( السابعة للميلاد ) ، كانت طيسفون ، وهي على دجلة ، وقد سموها المدائن ، أجلّ مدن هذا الإقليم والعاصمة الشتائية للملوك الساسانيين . ولرغبة العرب في مدن يسكنونها ويعسكرون فيها ، أسسوا في زمن قصير مدنا ثلاثا : الكوفة والبصرة وواسط سرعان ما نمت وصارت أهم مدن هذا الإقليم الاسلامي الجديد . وكانت الكوفة والبصرة بوجه خاص عاصمتي العراق الشقيقتين في أيام بنى أمية « 1 » . ولما انتقل الامر من الأمويين إلى العباسيين ، اقتضى الحال اتخاذ عاصمة جديدة لدولتهم الجديدة . فأسس ثاني خلفاء بنى العباس بغداد على دجلة فوق طيسفون ( المدائن ) ببضعة أميال . وما عتمت بغداد أن غطت على ما اتصفت به دمشق من مفاخر في العهد الأموي وأصبحت قاعدة الخلافة العباسية وعاصمة العراق أيضا بطبيعة الحال . وعلا شأن إقليم العراق فصار قلب الدولة الاسلامية ومركزها في الشرق . وكانت أحوال العراق الطبيعية في القرون الوسطى تختلف اختلافا بيّنا عما نعهده الآن ، لما طرأ من تغير عظيم في مجريى الفرات ودجلة ، وما نجم عن ذلك من خراب في أنهر الري العديدة التي جعلت من العراق في زمن الخلفاء الأولين جنة عدن لخصب أرضه . ينساب دجلة اليوم في مجرى متعرج يأخذ إلى الجنوب الشرقي ويلتقى على نحو 250 ميلا ( بخط مستقيم ) أسفل من بغداد هو ومياه الفرات في القرنة . ومن اقتران النهرين يتكون نهر يعرف بشط العرب ، كان يجرى حينذاك في مجرى عريض أي في فيض يصب في خليج فارس .

--> مشتق من كلمة الفرع . اما دجلة فقد ورد اسمه بصورة « ادقلات » أو « ادكلات » . ومن معاني اسمه الأصلي . « الجاري » أو « الراوي » . وعرف الآشوريون منبع دجلة وعينوه في أرمينية . فقد ذكر الملك الآشورى شيلمنصر الثالث ( المئة التاسعة قبل الميلاد ) أنه أقام في عام حكمه الخامس عشر ، نصبا عند منبع دجلة ، وانه سار من بعد ذلك إلى ينابيع الفرات . راجع - مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة للسيد طه باقر ( 1 : 377 ) . اما الاسم حداقل فقد ورد في سفر التكوين 2 : 14 . ( م ) . ( 1 ) عرفت الكوفة والبصرة بالعراقين ، ومعنى ذلك « عاصمتا العراق » . على أنه حين فقدت الكوفة والبصرة منزلتيهما بعد زمن ، صار اسم « العراقين » يستعمل في غير وجهه الصحيح . فكان يعنى « اقليمى » العراق وهما العراق العربي والعراق العجمي ، ويراد بالأخير إقليم الجبال وسنوضح ذلك في موضعه من الفصل الثالث عشر .