كي لسترنج
160
بلدان الخلافة الشرقية
من وثيق الأخبار ما يعتدّ به عن تاريخ آسية الصغرى وجغرافيتها التاريخية في القرون الوسطى ، سواء في عهدها النصراني أم في أيام المسلمين « 1 » . ولا غرابة في قلة ما عرفه البلدانيون العرب القدماء عن هذه البلاد : فقد كانت في أيامهم إقليما من أقاليم دولة الروم ، وبعد انتقال هذا الإقليم إلى سلطان السلاجقة الترك لم يعن - يا للأسف - مصنفونا المسلمون بهذا الإقليم الاسلامي البعيد ، فلم ينته الينا وصف دقيق له يشبه ما خلفوه عن غيره من الأقاليم . وأول وصف كامل لآسية الصغرى الاسلامية ، كتبه الحاج خليفة ، غير أن هذا لا يرقى الا إلى مطلع المئة الحادية عشرة ( السابعة عشرة ) أي بعد أن مضى نحو مئتى سنة على دخول هذا الإقليم في جملة أجزاء الدولة العثمانية « 2 » . كانت الحدود بين بلاد المسلمين والروم في أيام بنى أمية وبنى العباس بل حتى قبل ان يقضى المغول القضاء المبرم على العباسيين بما ينيف على قرن ونصف قرن ، تتألف من سلسلتي جبال طوروس وطوروس الداخلة ( انتي طوروس ) Anti Taurus . وكان يعين هذه الحدود ويحميها خطّ طويل من القلاع ( تعرف بالعربية بالثغور ) يمتد من ملطية على الفرات الاعلى إلى طرسوس بالقرب من ساحل البحر المتوسط . وكان الروم يحتلون هذه القلاع تارة والمسلمون تارة أخرى . فكان الفريقان فيها بين كرّ وفرّ . وينقسم خط القلاع هذا عادة إلى مجموعتين : إحداهما تحمى الجزيرة ( وتسمى ثغور الجزيرة ) وهي الشمالية الشرقية ، والثانية تحمى الشام ( وتسمى ثغور الشام ) وهي الجنوبية الغربية . وكان من ثغور الجزيرة : ملطية وزبطرة وحصن منصور وبهسنا والحدث ، وقد مرّ
--> ( 1 ) يحتوى كتاب الجغرافية التأريخية لآسية الصغرى Historical Geography of Asia Minor لمؤلفه البروفسور رمسي N . M . Ramsay ( وسنشير اليه بحروف ( HGAM على خلاصة رائعة لكل ما يعرف الآن عن هذا الموضوع . ولا غنى عنه البتة لمن يبتغى تفهم هذه المعضلة المعقدة تفهما صحيحا . والفضل في كتابة هذا الفصل يعود إلى هذا الكتاب أكثر من أي مرجع آخر مذكور في الحواشى . ويحسن الرجوع أيضا إلى مقالات البروفسور رمسي المفيدة في المجلة الجغرافية ( G . J . ) لشهر أيلول 1902 ص 257 . وتشرين الأول 1903 ص 357 . ( 2 ) اما في القسم الشرقي من بحر الروم فقد أجاد العرب في معرفة جزيرتى قبرس ورودس . فان المسلمين غزوا الجزيرة الأولى منذ سنة 28 ( 648 ) بقيادة معاوية الذي صار خليفة فيما بعد . على أنه لم ينته الينا وصف جغرافى لهاتين الجزيرتين . البلاذري 153 و 236 ؛ ياقوت 2 : 832 ؛ 4 : 29 .