ابن ظهيرة

306

الجامع اللطيف

ومن مقابر مكة أيضا قديما مقبرة المهاجرين بالحصحاص ، وهو ما بين فخّ والجبل المسمى بالمقلع وبالبكّاء أو الزاهر . كما هو مقتضى كلام الأزرقي والفاسي . وإنما سمى بالبكاء لما قيل إنه بكى على النبي صلى اللّه عليه وسلم حين هاجر « 1 » ، وهو مشهور بالبكاء إلى اليوم . أقول : فتكون المقبرة المذكورة في المحل المعروف الآن بالمختلع الذي يبيت به أمير الحاج عند قدومه ثم يصبح ويدخل مكة . فينبغي لمن أتى ذلك الموضع أن يقرأ ما تيسر ثم يدعو هناك بالدعاء المأثور عند زيارة القبور ، ويهدى ثواب ذلك إليهم وإلى سائر أموات المسلمين ، وكذلك عند المقبرة العليا التي تقدم أن بها قبر سيدنا عبد اللّه بن عمر لما علمته واللّه الموفق . وسبب تسميتها بمقبرة المهاجرين أن جندع - بجيم ونون - ابن أبي ضمرة - بمعجمة - ابن أبي العاص اشتكى وهو بمكة فخاف على نفسه فخرج يريد الهجرة إلى المدينة فأدركه الموت وهو بهذا المحل فدفن فيه فأنزل اللّه وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً الآية ( سورة النساء : 100 ) فسميت مقبرة المهاجرين به . أخرجه الأزرقي « 2 » . ووقع مثل ذلك لغير جندع أيضا فدفن هنالك . وممن دفن بهذا المحل جماعة من العلويين قتلوا فيه في حرب وقع بينهم وبين عسكر موسى الهادي في سنة تسع وتسعين ومائة . وفيه جماعة من الأنصار مدفونون . ويسمى هذا المحل أيضا بأضاة بنى غفار « 3 » وهي التي قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : أتاني جبريل وأنا بأضاة بنى غفار فقال : يا محمد ، إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف . فقلت : أسأل اللّه المعافاة ، فقال : فإنه يأمرك أن تقرأه على حرفين ، فقلت : أسأل اللّه المعافاة ، قال : فإنه يأمرك أن تقرأه على ثلاثة أحرف ، فقلت : أسأل اللّه المعافاة ، قال : فإنه يأمرك أن تقرأه على سبعة أحرف كلها شاف كاف « 4 » . واختلف ما المراد بالسبعة الأحرف ، فقيل : سبع لغات . ومن المقابر أيضا المباركة : مقبرة الشبيكة ، فيستحب زيارتها لما حوته من أهل الخير والغرباء لا سيما الفقراء الطرحاء فإنهم ما يدفنون غالبا إلا بها .

--> ( 1 ) شفاء الغرام ج 1 ص 457 . ( 2 ) أخبار مكة للأزرقى ج 2 ص 212 . ( 3 ) تحرف في المطبوع إلى : « عقار » . ( 4 ) أخبار مكة للأزرقى ج 2 ص 213 .