ابن ظهيرة

300

الجامع اللطيف

ثلاث عبادات : الخلوة ، والتعبد ، والنظر . ومجموع ذلك أولى من الاقتصار على البعض . وغيره من الأماكن ليس فيه ذلك المعنى ، وأيضا أن هذا الجبل كان يختلى فيه أجداده صلى اللّه عليه وسلم . أقول : وفيما ذكر نظر ، لأن غيره من الجبال يتأتى فيه ما ذكر من اجتماع العبادات الثلاث كأبى قبيس مثلا ويزيد بقربه من البيت فكان أولى أن يتعبد فيه . وإن كان المراد البعد من الناس لخلو البال في التعبد ، فالجبال البعيدة كثيرة ، اللهم إلا أن يقال إن الغار الذي بحراء مستقبل الكعبة من غير انحراف ، وليس غيره كذلك فله وجه ، والأحسن أن يقال : إن جبل حراء متعبد أجداده فاقتدى بهم في ذلك ، واللّه الموفق . ومنها : جبل ثور - بالثاء المثلثة - بأسفل مكة ، وسماه البكري أبا ثور والمشهور الأول ، وبعده عن مكة ميلان . وقيل ثلاثة ، وارتفاعه نحو ميل . وكان اسمه أطحل - بالطاء والحاء المهملتين - وإنما سمى ثورا لنزول ثور بن عبد مناف فيه ، وقد صح أن النبي صلى اللّه عليه وسلم وأبا بكر اختفيا في غاره المشهور الذي ذكره اللّه تعالى بقوله : ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ الآية ( سورة التوبة : 40 ) . وروى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما دخل الغار أمر اللّه العنكبوت فنسجت على بابه وشجرة فنبتت والحمامتين فعششتا على بابه ، ويقال إن هذا الحمام الذي بمكة من نسلهما . ومن فضائل هذا الجبل ما يروى أنه كلم النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقال له : إلىّ يا رسول اللّه ، فإني قد آويت قبلك سبعين نبيا . وللغار الذي فيه بابان واسع وضيق ، وكثير من الناس يتجنب دخوله من الباب الضيق لما يقال إن من لم يدخل منه وتعوق فليس لأبيه ، وهو باطل لا أصل له . وقد وسع الباب الضيق في حدود عام ثمانمائة لأن بعض الناس أراد الدخول منه فانحبس ، فنحت منه حتى اتسع وتخلص . وكان مكثه صلى اللّه عليه وسلم في الغار المذكور ثلاثا كما في « صحيح البخاري » وهو الراجح ، وقيل بضعة عشر يوما ، ووفق الجد رحمه اللّه بينهما فقال : ويحتمل أن يكون كلا القولين صحيحا ، ووجه الجمع أنهما مكثا في الغار ثلاثا ، ويكون معنى الحديث مكثت مع صاحبي مختفيين من المشركين في الغار وفي الطريق بضعة عشر يوما ، انتهى .