ابن ظهيرة

227

الجامع اللطيف

وقام عبد المطلب إلى راحلته فركبها فلما انبعثت به انفجرت تحت خفها عين ماء عذب ، فكبّر عبد المطلب ، وكبّر أصحابه وشربوا جميعا ، وقالوا : قد قضى لك علينا الذي سقاك ، فواللّه لا نخاصمك فيها أبدا « 1 » . فرجعوا وخلوا بينه وبين زمزم ، وكفاه اللّه شرهم ، فنذر عند ذلك لئن رزق عشرة من الذكور يمنعونه ليتقرب إلى اللّه بذبح أحدهم . فلما تم له عشرة من الذكور أعلمهم بنذره ، فقالوا له : أوف بنذرك واقض فينا أمرك ، فأسهم بينهم فخرج السهم على عبد اللّه أبى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فأراد أن يذبحه فمنعته قريش وأخواله من بنى مخزوم لئلا يكون ذلك فيهم سنة ، فتحاكموا إلى كاهن كان بالمدينة ، وقيل كاهنة ، فأفتاهم بأن يسهم على عبد اللّه وعلى عشرة من الإبل ، وكانت عندهم إذ ذاك دية الرجل ففعل عبد المطلب ذلك ، فخرج السهم على عبد اللّه أيضا ، فقال له الكاهن : زد عشرا أخرى فإن ربك لم يرض ، فزاد فخرج السهم على عبد اللّه فأمره الكاهن بزيادة عشرة أخرى فزاد ، وفي كل ذلك يخرج السهم على عبد اللّه حتى بلغ العدد مائة من الإبل فخرج السهم حينئذ على الإبل ، فقال له الكاهن : أعد القرعة ، فأعادها فخرج على الإبل ، ثم أعادها ثالثا ، فخرج على الإبل ، فقال له الكاهن : قد رضى ربك فانحرها فداء عن ابنك ، ففعل فاستمرت الدية في قريش مائة من الإبل من يومئذ « 2 » . ثم جاء الشرع فقررها دية لكل واحد من المسلمين ، واستمرت زمزم لا يصد عنها أحد ولا يمنع إلى يومنا هذا كما ترى . ويروى أن عبد المطلب لما حفر زمزم وجد غزالين من ذهب يقال : إن جرهما دفنتهما حين خرجوا من مكة ، ووجد أسيافا وسلاحا ، فأرادت قريش أن يشاركوه فيها فامتنع وضرب بالقداح ، فخرج الغزالان للكعبة والسلاح لعبد المطلب ، ولم يخرج لقريش شئ بل تخلف قدحاها فضرب الأسياف التي خرجت له مع أحد الغزالين على باب الكعبة ، وجعل الغزال الآخر في الجب الذي في بطن الكعبة ، فكان ذلك أول حلية للكعبة . أخرجه الأزرقي « 3 » .

--> ( 1 ) منائح الكرم ج 1 ص 405 . ( 2 ) أخبار مكة للأزرقى ج 2 ص 47 وما بعدها . ( 3 ) أخبار مكة للأزرقى ج 2 ص 46 .