ابن ظهيرة

226

الجامع اللطيف

ثم أمر خليله بذلك علم أن الأمر للامتحان كما هو شأن اللّه تعالى في أنبيائه وأحبائه . فلما مضى الخليل صلوات اللّه عليه لما أمر به منشرح الخاطر راضيا بما قضاه اللّه تعالى شكر اللّه له ذلك وسلم ابنه له من الذبح ببركة التسليم وفدى بالذبح العظيم . وصحت البشرى وتم الموعد في هذه الآية التي لم يتقدم قبلها قصة ذبح . انتهى . عدنا إلى المقصود : ولم تزل زمزم كذلك إلى أن دفنتها جرهم حين ظعنوا من مكة بين صنمي قريش إساف - بكسر الهمزة - ونائلة ، وقيل بل دفنتها السيول ، فاستمرت مدفونة إلى أن نبه عبد المطلب وأمر بحفرها « 1 » . وله منقبتان عظيمتان : إهلاك أصحاب الفيل كما تقدم ، وحفر بئر زمزم . ذكر ابن إسحاق وغيره أن عبد المطلب بينما هو نائم إذ أتاه آت فقال له : احفر طيبة ، فقال له : وما طيبة ؟ فذهب عنه ثم جاءه مرة أخرى فقال له احفر المضنونة فقال له وما المضنونة ؟ فذهب عنه ثم جاءه مرة ثالثة فقال له : احفر زمزم ، فقال له عبد المطلب وما زمزم ؟ قال لا تنزف أبدا ولا تذمّ « 2 » تسقى الحجيج الأعظم وهي بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل « 3 » . وفي رواية احفر زمزم ، إنك إن حفرتها لم تندم ، وهي تراث من أبيك الأعظم لا تنزف أبدا ولا تذمّ إلى آخر ما تقدم . فلما بين له شأنها غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث وليس معه يومئذ غيره فحفرها ، فلما بدا له أعلى البئر كبّر فحسدته بطون قريش وهموا أن يمنعوه وقالوا له : أشركنا معك ، فقال لهم : ما أنا بفاعل شئ خصصت به دونكم ، فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه فقالوا : كاهنة بنى سعد « 4 » . فخرجوا إليها فعطشوا في الطريق حتى أيقنوا بالهلاك ، فقال عبد المطلب : واللّه إن إلقاءنا بأيدينا هكذا لعجز فعسى اللّه أن يرزقنا ماء فارتحلوا بنا « 5 » .

--> ( 1 ) شفاء الغرام ج 1 ص 398 . ( 2 ) تحرف في الأصلين إلى : « ولا تزم » وصوابه لدى ابن هشام ، ولا تذم : أي لا توجد قليلة الماء . ( 3 ) ابن هشام ج 1 ص 143 . ( 4 ) منائح الكرم ج 1 ص 404 . ( 5 ) منائح الكرم ج 1 ص 404 .