ابن ظهيرة

173

الجامع اللطيف

فإن قيل : قد اتفق النحاة على أن المضمرات أعرف المعارف وأعرفها أنا . فهذه الكلمة في الغاية القصوى في التعريف ، فكيف كان العلم أعرف منها ، وإنما اختلف النحاة في اسم الإشارة والعلم لا في المضمر . فالجواب أن المضمر إذا عاد وتعين مظهره فهو أعرف المعارف حينئذ ، والمستأذن محجوب عن المستأذن عليه غير متعين عنده فكأنه أحاله على جهالة . ( حكاية لطيفة استطرادية ) : تنبه على رعاية الأدب مع اللّه تعالى جل وعلا : حكى أن سيبويه رحمه اللّه رئى في المنام بعد وفاته ، فقيل له ماذا لقيت ؟ فقال خيرا كثيرا ، فقال له بماذا ؟ فقال : سئلت في الدنيا عن أعرف المعارف ، فقلت اسم اللّه عز وجل فشكر اللّه لي ذلك . السادسة والعشرون : قول الخازن لجبريل ، ومن معك ؟ قال : محمد ، فيه دليل على أن الإذن لواحد لا يتناول غيره ، وإن كان في صحبته ولهذا استفهم الخازن حتى يكون لمن معه إذن مستقل ، وهو عرف الناس إذا أذن لأحد وكان في صحبته غيره أن يقول ومن معي ، فيستأنف الاستئذان لمن معه ، وقوله وقد بعث إليه ؟ أراد به الاستفهام فحذفت الهمزة للعلم بها ، وأصل الكلام أوقد بعث إليه . والنحاة يمنعون حذف الهمزة فيحمل كلامهم على المنع حيث لا دليل على المحذوف ، وإلا فالحديث حجة عليهم . السابعة والعشرون : لم يرد الخازن بقوله وقد بعث إليه أصل الرسالة ، فإن الظاهر أنه كان معلوما عندهم ، وأنما أراد البعث للمعراج . الثامنة والعشرون : موقع قول الخازن أوقد بعث إليه ، استنطاق جبريل بالسبب الموجب للإذن والفتح ، لأنه مجرد قول جبريل عليه السلام معي محمد لا يوجب الإذن إلا بواسطة البعث من صاحب الإذن جل وعلا . التاسعة والعشرون : إن قيل : لم لم يخاطبه الخازن بصيغة الخطاب فيقول مرحبا بك ، وإنما أورد التحية بصيغة الغيبة ؟ أجيب بأنه حياه قبل أن يفتح الباب وقبل أن يصدر من النبي صلى اللّه عليه وسلم خطاب ، ولهذا قال الخازن لجبريل : ومن معك بصيغة الخطاب ، لأن جبريل خاطب الملك فارتفع حكم الغيبة بالتخاطب من الجانبين .