ابن ظهيرة

141

الجامع اللطيف

لطيفة : إن قيل ما الحكمة في تجريد الناس في الإحرام ؟ قيل : ليعلم أن باب اللّه جل وعلا على خلاف أبواب الملوك ، لأن العادة جرت أن يتزين الناس باللباس الفاخر إذا قصدوا باب المخلوق ففرق بين بابه وباب غيره . ( وأيضا ) من أهدى إلى الملوك ما ليس في خزائنهم يكون أرفع قدرا ، وليس شئ إلا وهو في خزائن اللّه سوى الافتقار اللهم أغننا بالافتقار إليك ، ولا تفقرنا بالاستغناء عنك يا رب العالمين . ( ومنها ) حديث أبي سلمة عن عبد اللّه بن عدي بن الحمراء قال رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على راحلته واقفا بالحزورة يقول : واللّه إنك لخير أرض اللّه وأحب أرض اللّه إلى اللّه ، ولولا أنى أخرجت منك ما خرجت « 1 » . وهو حديث حسن أخرجه أصحاب السنن وصححه جماعة منهم الترمذي ، وزاد الإمام أحمد واقف بالحزورة في سوق مكة ، وقد دخل سوق مكة المذكور في المسجد بعد ذلك . وفي رواية أبي هريرة رضى اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقف بالحزورة وقال : إنك لخير أرض اللّه ، وأحب أرض اللّه عز وجل ، ولو تركت فيك ما خرجت منك . وفي أخرى عنه : واللّه لقد عرفت أنك أحب البلاد إلى اللّه وأكرمها على اللّه ، ولولا أن قومي أخرجوني الحديث . وفي رواية ابن عباس ما سكنت غيرك . قال بعض العلماء : الظاهر أن هذه المقالة كانت منه صلى اللّه عليه وسلم في عمرة القضية حين سألت قرش النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يخرج من مكة بعد الثلاثة الأيام التي أقامها كما وقع الشرط . ولا يظن أحد أنه صلى اللّه عليه وسلم قال ذلك حال خروجه للهجرة إلى المدينة ، لأنه لم يكن بهذه الصفة حين هاجر ، وإنما كان خروجه إليها مستخفيا كما هو معلوم لا راكبا على راحلته ، إذا لو كان كذلك لأشعر بسفره . وفي « تاريخ الأزرقي » أنه صلى اللّه عليه وسلم قال ذلك عام الفتح ، فيحمل على أنه قاله مرتين إذ لا تنافى ، ويكون فيه من تعظيم مكة ما لا يخفى . والحزورة - بحاء مهملة مفتوحة وزاء معجمة - وعوام مكة يصحفونها ويقولون عزورة بعين مهملة - والحزورة : هي الرابية الصغيرة جمعها حزاور ، وكان عندها سوق الحناطين

--> ( 1 ) شفاء الغرام ج 1 ص 89 .