إبراهيم بن محمد الميموني
63
تهنئة أهل الإسلام بتجديد بيت الله الحرام
أن تصلح ما وهي منها ولا تهدمها فقال : لو أن بيت أحدكم احترق لم يرض له إلا بأكمل إصلاح ولا يكمل إصلاحها إلا بهدمها فهدمها حتى وصل إلى قواعد إبراهيم ، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين ، وفي رواية أنه جمع وجوه الناس وأشرافهم فاستشارهم في هدمها ، فأشار القليل من الناس بالهدم وأبى الكثير ، وكان أشدهم أبا عبد اللّه بن عباس رضى اللّه عنهما وقال : دعها على ما أقرها عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإني أخشى أن يأتي بعدك من يهدمها فلا تزال تهدم ويبنى فيتهاون الناس بحرمتها ولكن رقعها ، فقال ابن الزبير « 1 » رضى اللّه عنهما : واللّه ما يرضى أحدكم أن يرقع بيت أبيه وأمه فكيف أرقع بيت اللّه ؟ واستقر راية على هدمها ، فهؤلاء الصحابة والتابعون اتفقوا على إصلاح ما ضعف واختل وتشعث منها بحسب الضرورة أو الحاجة الماسة ، وقوله : « ما وهي » كما في القاموس بمعنى تخرق وانشق واسترخى رباطه ، وابن الزبير رضى اللّه عنهما ومن وافقه موافقوهم على ذلك ، وإن الذي وقع بينهم الخلاف فيه القدر الزائد على الحاجة ، فالأكثرون نظروا إلى جانب الاحترام المطلق للكعبة فلم يوافقوا على الزائد على الحاجة ، وهو رضى اللّه عنه ومن وافقه نظروا إلى ما يليق بإجلال بيت اللّه وتعظيمه وإيقاع مزيد هيبته في القلوب فلم يقنعوا بالاقتصار على قدر الحاجة ، وأبرز ذلك بالقياس المعنوي بقوله : لو أن بيت أحدكم احترق لم يرض له إلا بأكمل الصلاح ولا يكمل إصلاحها إلا بهدمها ، فلم يتعرضوا لهذا الدليل الذي أبرزه لهم إما لوضوحه لهم وإما لأن المجتهد لا ينكر على مجتهد فلذلك مكنوه مما أراد ولم يتعرضوه . فتأمل ذلك أدنى تأمل فقد اتفقوا على إصلاح ما تخرق وانشق واسترخى لا اختلاف بينهم في ذلك وهم الحجة على من بعدهم في ذلك وغيره ، وإنما الاختلاف بينهم في إصلاح زائد على الحاجة ولائق بكمال البيت وعظيم إجلاله وحرمته ، فابن الزبير وموافقوه يرون ذلك ، والأكثرون لا يرون ، فتأمل . ويجوز التوصل إلى بيان حقيقة ما ظن اختلاله من نحو سقفها بكشف ما يعلم به أمره على ما أشار إليه عالم الحجاز المحب الطبري الذي قيل في حقه : إنه لم يخرج من مكة بعد الإمام الشافعي أفضل منه ، ولم يوجد له بحث رد أي غالبا بقوله في حديث
--> ( 1 ) انظر أخبار مكة للأزرقى 1 / 204