إبراهيم بن محمد الميموني
167
تهنئة أهل الإسلام بتجديد بيت الله الحرام
مطلقا ، وكان استقباله صوابا في غير المسجد فصح أنه أسر من إبراهيم عليه السلام أيضا قبلة ، على أن التمييز بمعنى الفاعل فتقديره : وقبلته أسر من سائر القبلات انتهى المقصود منه ، وهذا منه بناء على أن الصلاة في غير المسجد من خواص نبينا صلى اللّه عليه وسلم وكذا أمته صلى اللّه عليه وسلم دون باقي الأنبياء لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « جعلت لي الأرض مسجدا » قال القاضي عياض : لأن من كان قبلنا كانوا لا يصلون إلا في موضع يتيقنون طهارته ، ونحن خصصنا بجواز الصلاة في جميع الأرض إلا ما تيقنا نجاسته ، وقال القرطبي : هذا ما خص الله تعالى به نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، وكانت الأنبياء قبله إنما استنجت لهم الصلاة في مواضع مخصوصة كالبيع والكنائس ، وقال المهلب في شرح البخاري : المخصوص به صلى اللّه عليه وسلم جعل الأرض طهورا ، أما كونها مسجدا فلم يأت في أثر أنها منعت من غيره ، وقد كان عيسى عليه السلام يسبح في الأرض ويصلى ولم تجعل له طهور انتهى . قال الزركشي وهذا هو الظاهر من حديث جابر وأبي هريرة رضي الله عنهما في عدة الطهور والمسجد في حكم الواحد انتهى . وقد رد ابن حجر تبعا لغيره كلام الزركشي فقال : وفي الحديث : « أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي ، نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل » الحديث والمراد بقوله : مسجدا موضع سجود أي أن السجود لا يختص بموضع منها دون غيره ، قيل : ويمكن أن يكون مجازا عن المكان الذي للصلاة وهو من مجاز التشبيه ؛ لأنه لما جازت الصلاة في جميعها كانت كالمسجد في ذلك ، وقيل : المراد جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ولغيرى مسجدا لا طهورا ؛ لأن عيسى صلى اللّه عليه وسلم كان يسبح فيها ويصلى حيث أدركته الصلاة وقيل المراد أن الصلاة لم تبح إلا في محل يتيقنون طهارته بخلاف هذه الأمة أبيحت لها في كل الأرض إلا ما يتيقنون نجاسته ، والأصح الأول وهو أنها لم تبح لمن قبلنا إلا في أماكن مخصوصة كالبيع والكنائس والصوامع للخبر المصرح بذلك ، وكان من قبلي إنما يصلون في كنائسهم وتوافقه رواية : « ولم يكن من الأنبياء أحد يصلى حتى تبلغ محرابه » وبهذين يرد الاحتجاج بقصة عيسى صلى اللّه عليه وسلم المذكورة بمنع ما ذكر فيها لدلالة هذين على خلافه وبفرض صحته فهو لا ينافي الخصوصية لأنها ثابتة لنبينا صلى اللّه عليه وسلم ولأمته بخلاف سيدنا عيسى صلى اللّه عليه وسلم .