إبراهيم بن محمد الميموني

156

تهنئة أهل الإسلام بتجديد بيت الله الحرام

وخلفائهم رضي الله عنهم أعلم من بعدهم بما يصلح في أرض مكة ، وأنه لو كان عندهم علم عن النبي صلى اللّه عليه وسلم بأنها أقرت للمسلمين لما أقدموا ، على ما فعلوا ، ويبعد جدا أن يصح ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ويخفى عليهم وعلى غيرهم من علماء الصحابة رضي الله عنهم ، فإنه لم يحفظ عن غيرهم أنه أنكر على أحد منهم ما فعل له ، أما حديث علقمة بن فضلة الكناني ويقال الكندي : كانت الدور والمساكن على عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم لا تكرى ولا تباع ولا تدعى إلا السوائب من احتاج سكن ومن استغنى أسكن ، انتهى . فإنه لا دلالة فيه على نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم عن بيع دور مكة وكرائها ، وإنما فيه دلالة على عدم وقوع ذلك من زمن المشار إليهم ، ولا يلزم من عدم وقوع ذلك في زمنهم منه ، إذ الإنسان يترك ما يجوز له فعله دهرا طويلا على أن دلالة حديث علقمة على عدم وقوع بيع دور مكة وكرائها في زمن المشار إليهم معارضة بما وقع من شراء عمر وعثمان رضي الله عنها لدور مكة ، ووقع ذلك في عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأن الفاكهي قال في كتاب أخبار مكة : حدثنا حسين بن حسن قال : كتبت إلى عبد الرحمن بن مهدي أسئلة عن كراء دور مكة وشرائها قال : فكتب إلى : إنك أتيت إلى تسألني عن أشرية دور مكة وكرائها ، فأما الشراء فقد اشترى الناس وباعوها على عهد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم انتهى . وحسين بن حسن هو المروزي صاحب ابن المبارك قال فيه أبو حاتم « 1 » : صدوق ، وقد روى عنه الترمذي والنسائي ، وإذا تعارض ذلك مع حديث علقمة ؛ فهو مقدم على حديث علقمة ؛ لأن حديث علقمة حاصله شهادة على نفى وفي مثل هذا يقدم المثبت ، ويتعين حمل حديث علقمة على أن في عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم كان الغالب في فعل الناس بمكة تركهم بيع دورهم بمكة وكرائها لعدم الحاجة إلى ذلك وتوسعة على الوافدين والمحتاجين ، ولما كان وقوع خلاف ذلك نادرا لم يستحضره علقمة في حال تحديثه بحال دور مكة ونفاه في حديثه والله أعلم . وعلقمة لا صحبة له وإن كان ابن عبد البر قد ذكره في كتاب الصحابة المسمى

--> ( 1 ) انظر الجرح والتعديل 2 / 61 .