إبراهيم بن محمد الميموني
115
تهنئة أهل الإسلام بتجديد بيت الله الحرام
به لأنه إنما ثبت بالآحاد ، وقد نقل الزركشي عن القرطبي أنه قال في المفهم : وما فعله عبد الله ابن الزبير كان صوابا وقبح الله الحجاج وعبد الملك لقد جهلا سنة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وقال عبد الملك حين بلغته السنة : لو كنت سمعته قبل أن انهدمت لتركته على بناية ابن الزبير . وهو غير معذور في ذلك فإنه كان متمكنا بالتثبت بالسؤال والبحث فلم يفعل واستعجل وقضى فالله حسبه ومجازيه على ذلك فلقد اجترأ على بيت الله وعلى أوليائه ، ولما كان الرشيد أراد أن يرد على ما بناه ابن الزبير فقال مالك : نشدتك الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك لا يشأ أحد إلا نقض البيت وبناه فتذهب هيبته من صدور الناس ، فترك ما هم به واستحسن الناس هذا من مالك وعملوا ، عليه فصار هذا كالإجماع على أنه لا يجوز التعرض له بهدم أو تغيير والله أعلم ، انتهى . ثم رأيت الأستاذ الشيخ الأكبر نفعنا الله ببركاته حسن في الفتوحات فعل الحجاج وعبارته وقد ذكرنا في أول هذا الكتاب ما بقي في الحجر من البيت ، ولماذا أبقاه الله فيه ، وبينا الحكمة الإلهية في ذلك في رفع التحجير والتجلي الإلهى في الباب المفتوح لمن أراد الدخول إليه وذلك هو بيت الله الصحيح ، وما بقي منه بأيدي الحجبة بنى شيبة وقع في باطنه التحجير لأنه في ملك محدث وهو الموجود المقيد فلا بد أن يفعل ما تعطيه ذاته والحديث النبوي في ذلك مشهور والخلف والأمر أغفلوا عن مقتضى معنى قوله تعالى حين أمسك صلى اللّه عليه وسلم مفتاح البيت الذي أخذه من بنى شيبة فأنزل الله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها « 1 » فتخيل الناس أن الأمانة هي سدانة البيت ولم تكن الأمانة إلا مفتاح البيت الذي هو ملك لبنى شيبة فرد عليهم مفتاحهم ، وأبقى صلى اللّه عليه وسلم عليهم ولاية السدانة ، ولو شاء جعل في تلك المرتبة غيرهم وللإمام أن يفعل ذلك إذا رأى في فعله المصلحة ، لكن الخلفاء لم يريدوا أن يؤخروا عن هذه المرتبة من قرن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فيها ، فهو مثل سائر ولاة المناصب إن عدلوا فيها الحق فلهم وإن جاروا فعليهم ، وللإمام النظر فبقى بيت الله عند العلماء بالله لا حكم لبنى شيبة ولا لغيرهم فيه وهو ما بقي في الحجر فمن دخله دخل البيت ومن صلى فيه صلى في البيت كذا قاله صلى اللّه عليه وسلم لعائشة أم المؤمنين ، ولا يحتاج العارفون لمنة بنى شيبة فإن الله قد كفاهم بما أخرج لهم منه في الحجر فجناب الله أوسع أن يكون عليه سدنة من خلقه ولا سيما من نفوس جبلت على الشح وحب الرياسة والتقدم ، ولقد وفق الله الحجاج لرد
--> ( 1 ) النساء آية : 58 .