محمد بن عمر التونسي
56
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
فذهب كل منهم في مذهبه ، وأخذنا طريق سرف الدجاح ، فسافرنا سفرا هيّنا نحو ثلاثة أيام ، ونزلنا في رابعها قرب للظهر في ظلّ جبل بقرب بئر ، فقلنا هناك . وجاءت أناس كثيرون « 1 » يهنّوننا بالقدوم ، وجاء هناك بدوي ابن السيد أحمد ، ومعه عبيد وخدم بأطعمة كثيرة ، فسلّم على والده وهنّأه بالسلامة ، وتغدّينا وأقمنا حتى أنهر النهار ، وأخذ الشمس الطّفل والاصفرار ، [ ثم ] حمّلت الأحمال « 2 » ، ورفعت الأثقال ، فلم يأت المغرب إلّا ونحن على ظهر [ رواحلنا ] مقلّون ، [ و ] على الجادّة سائرون . فدخلنا سرف الدجاج بعد العشاء . مفرد من الطويل : فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى * كما قرّ عينا بالإياب المسافر وبتنا تلك الليلة في مشقة من كثرة المسلّمين ، وازدحام الداخلين والخارجين ، ومع ذلك لم يتهاون السيّد أحمد بأمري ، ولا شغله ( 53 ) ما هو فيه عنى ، بل أفرد لي حجرة ، وجعل فيها من الفرش والآنية ما أحتاج إليه ، وأنا لا أعلم ذلك ، بل حين طال علىّ السهر دخلت عليه ، وقلت له : أين أنام ؟ فنادى بأحد العبيد وقال له : أر « 3 » سيّدك حجرته . فأخذني وأدخلني حجرة رأيت فيها سريرا وفرشا وآنية ، بل وجميع ما أحتاج إليه . وبتّ بأنعم ليلة ، حتى إذا أصبحت لبست ثيابي ودخلت عليه ، فوجدته جالسا في أبّهة عظيمة ، بين خدمه وجواريه وأولاده ، قارّا سارّا ، كأنه لم يكن مسافرا . فرحّب بي وأكرمني ، فقبّلت يده وجلست معه ، ثم قال لي : إن ابن أخي السيد أحمد الصغير ، قد صنع في هذا النهار وليمة القدوم ، والتمس منى أن تتوجّه إليه ،
--> ( 1 ) في الأصل : كتيرون . ( 2 ) في الأصل : الاحملا . ( 3 ) في الأصل : أرى ، بضم الهمزة .