محمد بن عمر التونسي

53

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

بدوي عبيده أن يضعوا الخيمة على أهدا « 1 » جمل ، وأن يوطّئوها للركوب توطئة حسنة ، ففعلوا . وأخذ بيدي إلى أن سلّمنى خطام الجمل ، وأمر أن يأتوا بزمزمية ملآنة ماء ، فجيئت وعلّقت على الجمل ، وقال : هذا جملك تركبه مهما أردت ، وتنزل عنه مهما أردت ، وهذه الزمزمية تشرب منها كلّما احتجت إلى الشرب ، وكلّما فرغت مر أحد العبيد يملأها « 2 » لك . وأمر جميع العبيد والخدمة بطاعتى في ذلك . وكان معه من العبيد الكبار سبعة ، وعبد صغير ، وثمانية من الخدمة ، ومعه من الجمال ثمانية وستون جملا ، قد أعدّ منها ثمانية للماء ، وأربعة للزاد . وفي وقت الدخول إلى المفازة كان يعلّق على كل جمل قربتين . وكان معه من السّرارى ( 51 ) خمسة ، وسادستها ابنة عمّه السيدة جمال ، وكانت من أجمل نساء [ عصرها ] ، وكان معه حصان دنقلاوى أسود ، لا يقوّم بمال لحسنه ، وعليه سرج غشاؤه قطيفة خضراء ، يقوده عبد خاص به . وكان السيد أحمد يلاطفني ملاطفة الوالد لولده . فكنت إذا نزلت القافلة ، ربما نمت من تعب الرّكوب ، وهزّ الجمل ، وحرّ الشمس ، فكان يدثّرنى ، وإذا جئ بالعشاء يوقظنى بلطف ، ويطلب ماء ويغسل وجهي ويدىّ ، ويأمرني بالمضمضة لأفيق من النوم ، ويأخذ يدي ويضعها في الإناء ، وربما أخذ الطعام ووضعه في فىّ ؛ ولم يزل هذا دأبه « 3 » معي حتى وصلنا بالسلامة . ثم ارتحلنا من بئر الزّغاوى ، [ و ] سافرنا عشرة أيام سفر المجدّ ، نأخذ من أول

--> ( 1 ) كتب اللفظ في الأصل : أهدى . ( 2 ) في الأصل : يملاوها . ( 3 ) في الأصل : دابه .