محمد بن عمر التونسي
384
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
والاخلاص كما خدم أباه حتى حدث ما غيّره ، فانقلب عليه . وذلك أن السلطان محمد الفضل أو لم وليمة لكبراء دولته فجلسوا على الموائد فئات حسب مقاماتهم ، كل فئة على مائدة . وكان أبو شيخ كرّة في فئة الملوك فمر السلطان بالموائد لمؤانسة المدعوين على جارى العادة . فلما منّ بمائدة الملوك حيّاهم بالسلام فردّ الملوك عليه السلام أحسن ردّ أما أبو شيخ كرّة فإنه كان قد أكثر من الخمر وفقد الواعز ، فالتفت إلى السلطان مازحا وقال له : تفضل معنا ، ولم يكن من عادة سلاطين الفور الأكل مع أحد فاغتاظ السلطان من دالّة كرّة وتطاوله ، وكان بيده عصى من الخيزران فضربه بها على أم رأسه ضربا أليما حتى كسّر العصى وطرده عن المائدة . فانصرف كرّة إلى منزله من غير أن يفوه ببنت شفة . ولكنه حقد على السلطان من ذلك العهد ، ولم يعد اليه حتى اجتمع الوزراء وترضوا السلطان فرضى عنه وأعطاه هدية فاخرة . فرجع ولكنه بقي حاقدا عليه ، وأخذ يسعى في ثل عرشه ، وتولية أخيه باسى عوض اللّه مكانه . فاغتال أكثر الملوك المخالفين له ، ولم يبق منهم سوى الملك إبراهيم ود رماد ملك النحاس فدعاه يوما إلى منزله ليقتله فعلم بالمكيدة فاعتذر بعدم مقدرته على الذهاب وسعى حتى دخل على السلطان وقال له : أعلم أن كرّة لا يزال حاقدا عليك من يوم ضربته على المائدة وهو يسعى في ثل عرشك وتولية أخيه باسى عوض اللّه مكانك ، وقد استمال أكثر رجال الجيش اليه ، وقتل الملوك غيلة ، وهو يريد أن يقتلني لهذه الغاية . فقال السلطان : وما دليلك على ذلك ؟ قال : نرسل أحد الضباط بنفر من العساكر إلى الآبار التي يستقى منها ليمنعوا عبيده الورود ، فإذا جاءك شاكيا ، كان لا يزال على الولاء والا فلا . فاستحسن السلطان هذا الرأي وأرسل ضابطا إلى آبار كرّة فكان كلما وردها ( 125 ) أحد من جماعة كرّة منعه الضابط وردّه خائبا . فلما علم بذلك جمع عبيده ورجال الجيش الذين من حزبه وجاء إلى الآبار