محمد بن عمر التونسي

355

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

ثم علم الأمير أبو مدين من الجلابة ( تجار الرقيق ) ومن التجار الوافدين حديثا من دارفور . أن السلطان محمد فضل توفى ، وأن ابنه الأمير حسين خلفه على عرش دارفور . كان الأمير حسين هذا يبلغ من العمر وقتذاك ثماني عشرة سنة أو عشرين سنة . فتفاءل الأمير أبو مدين خيرا بهذه الأخبار ، لأن السلطان حسين - في رأيه - رجل ضعيف صاحب نزوات ، لا ينتظر خير على يديه ، إذ تنقصه الشجاعة الكافية ، فلا يستطيع التأثير بلسانه في أهل دارفور ساعة الخطر . كان الأمير أبو مدين متأثرا غاية التأثر بهذه الأخبار ، ممتلئا بالآمال العريضة ، فرحا مسرورا . ثم إنه ظل مشغولا بمشاريعه وأحلامه وأمانيه ، حتى وقع فريسة المرض . ذلك أنه أصيب بمرض في عقله ، فأخذ يهذى ، ولا يتحدث الا عن الحرب ، وكانت تصدر عنه صيحات تنم عن الغضب الشديد . ويقال إن بعض أصدقائه ورجال بلاطه أصدروا منشورا يقولون فيه : ان بعض حساد الأمير وجواسيس السلطان حسين في القاهرة عملوا سحرا لابن السلطان عبد الرحمن الرشيد . بيد أن مفعول هذا السحر لم يستمر أكثر من خمسة عشر يوما ، إذ شفى الأمير أبو مدين من مرضه وبدأ يهتم اهتماما جديا بأمر حملة دارفور . كان محمد على غائبا عن القاهرة وقتذاك ، فأرسل الأمير الفوراوى إلى مجلس المشورة بالقلعة طالبا تسليم جميع ما يلزم لرحلته إلى السودان ، كما طلب بصفة خاصة أن يجهز له عشرون رجلا وخمسة خيول تجهيزا كاملا . ثم صرف له مجلس المشورة عشرين كيسا ، أي ما يقرب من ستة آلاف فرنك ، كما صرف له خمس خيام : اثنتان منها خضراوان له ، وثلاث لأتباعه ، فضلا عن مؤونة الرحلة ، ووضعت تحت تصرفه ذهبيتان . أما فيما يتعلق بالأسلحة فقد صرف الأمير أبو مدين خمسة أزواج من