محمد بن عمر التونسي

354

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

وللمرة الأولى سمعت الأمير أبا مدين يتحدث عن أفق البحر ، وعن السفن الحربية ، وعن المدافع في الدور الثاني أو الثالث من السفينة الحربية . ولم يكن الأمير يحسن التعبير أو الوصف لكل ما يجول بخاطره ، بل كان كلامه بادي الضعف ناقصا . من ذلك ما قاله لي يوما في وصف محمد على : الباشا رجل عظيم . ولقد قال لي : عندما تعود يا أبا مدين إلى دارفور وتصبح ملكا ، تذكر ما رأيته في مصر ، وحاول أن تصنع هناك ما صنعته أنا هنا . ابن مدينة مثل مدينة الإسكندرية التي بنيتها . وعلى العموم كن رجلا . ولما حان موعد الحج إلى مكة ، أبدى الأمير أبو مدين رغبته في الذهاب إلى الحرمين الشريفين لتأدية فريضة الحج . فنصح محمد على الأمير أبا مدين بالذهاب صحبة للحمل المصري ، وأعطاه جميع ما يحتاج اليه في هذه الرحلة . سافر الأمير أبو مدين إلى مكة ، ولما عاد إلى مصر ، أقام في المنزل الذي منحه إياه محمد على من قبل في القاهرة . ومنذ ذلك الوقت أخذ محمد على يزور الأمير أبا مدين في كل مرة يحضر فيها إلى القاهرة . وكان دائما يوصيه بالصبر وانتظار الوقت المناسب لانفاذ حملة دارفور التي شرع فعلا في اعدادها . وفي شهر المحرم سنة 1259 ه ( الموافق فبراير سنة 1843 ) حضر محمد على إلى القاهرة ، فقام الأمير أبو مدين بزيارته . وكانت أول عبارة قالها محمد على للأمير : استعد للرحيل خلال بضعة أيام ، فان حملة دارفور على أهبة الرحيل . وقدّم الأمير أبو مدين عبارات الشكر إلى محمد على ، وخرج من عنده مسرورا غاية السرور . ثم بدأ يستعد للرحيل ، إذ كان يخيل اليه كأنه جالس على عرش دارفور ، وكأن جميع عارفيه وأصدقائه يهنئونه بالحملة ويلقبونه بلقب « السلطان » .