محمد بن عمر التونسي
353
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
بضرورة العودة إلى كردفان ، ووعده بحملة عسكرية للانتقام له من أخيه السلطان محمد فضل ، وتنصيبه سلطانا مكانه في حكم دارفور . آمن الأمير أبو مدين بهذه الوعود وسافر إلى كردفان . ولما كانت العلاقات الديبلوماسية بين مصر والدول الأوربية الكبرى وقتذاك تحتل كل تفكير محمد على ، فإنه أرجأ تنفيذ وعده للأمير أبى مدين مدة . وفي عام 1255 ه الموافق 1838 م ، قام محمد على برحلة إلى إقليم فازوغلى في السودان ، ولما علم الأمير أبو مدين بأمر هذه الرحلة ، ذهب لمقابلة محمد على للتحدث معه في أمر حملة دارفور الموعودة . . فقال له محمد على : سوف أكون عند وعدى الذي قطعته على نفسي ، واعمل ترتيبك على أن تكون في القاهرة عند عودتى من فازوغلى . ومن مصلحتك أن تعرف أنت أكثر مما عرفته سابقا عن أحوال مصر . ثم سافر محمد على إلى فازوغلى بالسودان وزار مناجم الذهب به ، ثم عاد إلى القاهرة . وبعد عودته إليها بنحو شهرين حضر أبو مدين فاستقبله محمد على استقبالا حسنا وأكرم وفادته ومنحه منزلا للإقامة به ، وأمر باعطائه جميع ما يطلب ، كما عيّن له راتبا شهريا . ثم سافر محمد على إلى الإسكندرية ، ودعا الأمير أبا مدين إليها ، فسرّ لهذه الدعوة سرورا عظيما . وأتيح للأمير أبى مدين خلال الشهر الذي قضاه في الإسكندرية أن يرى كثيرا من معالمها الحضارية . فقام بزيارة الحي الافرنجى ، وقصر رأس التين ، والميناء والترسانة البحرية . كانت هذه المعالم وغيرها ، فضلا عن ضوضاء المصانع هي التي أثارت الدهشة في رأس الأمير . وكان الأمير أبو مدين يقص علينا ما شهده في مصر من أشياء مدهشة في سذاجة تشبه سذاجة الطفل الذي يرى الحياة لأول مرة . واقترنت هذه السذاجة في نفس الوقت بحماسة من ينتظر تحقيق أمر ، ويشعر بالقلق من أن المستقبل قد لا يحقق آماله .