محمد بن عمر التونسي

351

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

ومن حسن الطالع - للمرة الثانية - أن الأمير أبا مدين كان بعيدا عن أتباعه . فلما شهد ما حدث ، لم يتوقف لحظة واحدة عن الجرى بعيدا ، ولم يفقد وعيه رغم ما كان يعانيه من شدة العطش . ثم عاد الأمير أبو مدين إلى رفاقه حين رأى فرسان دارفور يحملون أخاه الأمير الصغير أسيرا ، ويستولون على متاعه القليل . وعندئذ اختبأ الأمير أبو مدين ، أول الأمر ، ثم ولى ظهره لفرسان دارفور ؛ ولاذ بالفرار بأقصى ما يستطيع من سرعة . أما فرسان دارفور ، فإنهم شغلوا بالأمير الصغير ، ولم يفطن أحد منهم إلى مطاردة أتباعه القليلين ، بل تركوهم يلوذون بالفرار . وممن هرب من أولئك الأتباع : الفقيه محمد المحسى الذي كانت تربطه بالأمير أبى مدين صداقة وطيدة منذ الطفولة ، ولم يفارقه البتة . وللفقيه المحسى هذا وجه صغير . أما لون بشرته فأقل سوادا من لون بشرة الأمير أبى مدين ، ويشع من عينيه ذكاء سريع ، ويتصف بالحماسة والصرامة والاعتداد بالنفس والشجاعة والجرأة والنشاط الذي لا يعرف الكلال . بقي الأمير أبو مدين هائما وحيدا في جوف الصحراء ، واضطر إلى التوقف بعد مدة قليلة بسبب ما نال حصانه من الاعياء والعطش ، فنزل عن الحصان وأطلقه ، وواصل هو اتمام الرحلة مشيا على قدميه . وهكذا ظل الأمير أبو مدين تحرسه عناية اللّه حتى قارب النهار نهايته . وعندما أرخى الليل أستاره على الصحراء ، قابل أبو مدين الفقيه المحسى راكبا جملا من النوع السريع الجرى . وهنا عرف الفقيه المحسى الأمير أبا مدين ، فاقترب منه وتخلى له عن مكانه على ظهر الجمل ، وسار هو على قدميه . وبعد قليل لمح الاثنان بدويا على مسافة منهما ، فاقتربا منه وكلّماه ووعداه بمكافأة سخية إذا هو دلّهما على الطريق ، أو قادهما إلى مورد ماء يشربان منه . فقبل البدوي ذلك ، وسار ثلاثتهم