محمد بن عمر التونسي
347
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
كريمة ، ثم عرضوا عليهما خدماتهم . فأخبر الأميران بنى جرّار بأنهما هاربان بسبب غيرة السلطان منهما وقسوته عليهما ، وكثيرا ما لقيا منه الأمرّين ، وأنهما في طريقهما إلى كردفان . فقال لهما شيوخ بنى جرّار : ارجعوا إلى دارفور ، فسننضم اليكما ، ونكون منا فرقة كبيرة ننقضّ بها فجأة على السلطان في مدينة تندلتى ، مهما كانت الأحوال ، ونرد اليكما ميراث أبيكما . اعتمدا علينا ، فنحن أوفياء لكما . ولما كان الأميران الهاربان يشكان في صدق نوايا بنى جرار ، فإنهما اكتفيا بشكر شيوخها على عروضهم السخية ، وقالا لهم : جزاكم اللّه خيرا على حسن نواياكم . دعونا نمضى في طريقنا ، وغاية ما نرجو منكم أن تمدونا ببعض فرسانكم لمرافقتنا ، ولحمايتنا من أي حادث يقع لنا ولارشادنا إلى الطريق حتى نبلغ مأمننا . وبعد هنيهة اجتمع مائة فارس واصطحبوا أبا مدين وأخاه بمثابة حرس خاص . ظلت هذه الجماعة مسافرة مدة يومين ونصف يوم لم تقابل خلالها أحدا . غير أنه حدث في اليوم الثالث أثناء عبورها بعض الرّبى عند أطراف دارفور ، أن تعرّف أحد سكانها على الأميرين الفوراويين . وما ان رأى الأمير الصغير حتى صاح قائلا : ها هو ذا ابن السلطان عبد الرحمن الرشيد . وما ان سمع الأمير الصغير قوله حتى هجم على الرجل وفصل رأسه عن جسده بالسيف . فثار أهل القتيل ثورة شديدة ، وحدثت ضجة . ثم أخذ هؤلاء يسبون حرس الأميرين ، وهجموا عليهم . وكان الأمير أبو مدين وبعض الفرسان على مسافة قصيرة من مكان الحادث ، فعاد أدراجه واندفع نحو أهل القتيل محاولا وقف المعركة الدائرة بين الفريقين ، وانتحى بأخيه جانبا وأخذ يلومه على قصر نظره ، واتهمه بالوحشية والظلم ، وبدا منه ما يوحى بتأييد حق أولئك القوم في الانتقام لمن أصابه الضرر ، وعمل على ابعاد رجاله عن مساكنهم .