محمد بن عمر التونسي

348

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

ولم يكد الأمير أبو مدين يصل إلى السهل حتى أسرع الخطى نحو البحر ( النيل ) . غير أن أهل القتيل احتفظوا بحقهم في الانتقام ، ومن ثم أرسلوا من بينهم رجلا إلى مدينة تندلتى ، فلم يلبث أن وصل إليها ، وأخبر السلطان محمد فضل بأن الأميرين هاربان من دارفور ، وأنهما في طريقهما إلى كردفان . وما ان سمع السلطان بهذا النبأ حتى أرسل من فوره فرقة من الفرسان بقيادة أحد المخلصين من أتباعه واسمه تورفيجّه ، لمطاردة الأميرين . وغادرت هذه الفرقة مدينة تندلتى ، وواصلت السير ليلا ونهارا ، حتى عثرت على أثر الأميرين وحرسهما في الصحراء ، وذلك على مسافة من أطراف دارفور . ثم قصد توفيجّه إلى مكان الأميرين الهاربين ولحق بهما ، وهاجمهما وهو مغضب عليهما . ونشبت بينه وبينهما معركة ، وألقى الأمير أبو مدين بنفسه على تورفيجّه وضربه بالسيف ضربة ففأت عينه ، ثم ضربه أخرى فأراده قتيلا . ورأى رجال تورفيجّه رئيسهم يسقط قتيلا ، ولكن أحدا منهم لم يجرؤ على الدفاع عنه ، لأن العرف جرى في دارفور أنه لا يحق لأحد أن يشهر سلاحا في وجه أي فرد من أفراد أسرة السلطان . فلو حدث أن أحدا من أهل دارفور قتل أي فرد تجرى في عروقه الدماء السلطانية ، فان جزاء القاتل الاعدام ، سواء كان القتل سهوا أو خطأ أو للدفاع عن النفس ، ولو كان القتل بناء على أوامر صادرة من السلطان . من الدليل على ذلك أن الفلاح المصري زبادى الذي قتل إسحاق الخليفة بن السلطان محمد تيراب ببندقيته بأمر السلطان عبد الرحمن الرشيد نفسه - فإنه بعد أن نال المكافأة التي وعده بها السلطان عقب معركة جركو - أمر السلطان عبد الرحمن بقتله ، وذلك تمشيا مع العرف