محمد بن عمر التونسي

345

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

والآن قبل أن أذكر شيئا عن حملة دارفور ، سوف أحكى أخبار أبى مدين منذ هروبه حتى اليوم . ونقلت هذه السيرة - كما ذكرت من قبل - على لسان أبى مدين نفسه ، وأكدها لي وللشيخ التونسي أكثر من مرة ، تجار كردفان ودارفور ، الذين يأتي منهم إلى مصر عدد كبير . أبو مدين : هو الأمير محمد أبو مدين بن السلطان عبد الرحمن الرشيد المعروف باليتيم ، وأخو السلطان محمد فضل . ونشأ أبو مدين يتيما ، إذ توفى أبوه وهو طفل لم يبلغ من العمر سوى ستة أشهر . وتربى مجهولا في مساكن الحريم بالقصر السلطاني ، ولذا لم يشعر أحد بوجوده ، ولم يسمع الشيخ التونسي عن هذا الأمير شيئا أثناء زيارته لسلطنة دارفور ، كما أنه لم يسمع أحدا يتحدث عنه ، ولا عن أخيه الصغير . وكان لأبى مدين أخوان غير أخيه الثالث السلطان محمد فضل . وأصغر هذين الأخوين - ولا أذكر اسمه - كان يكبر أبا مدين بسنتين ونصف سنة فقط . أما الأخ الأكبر فهو محمد بخارى . ظل هؤلاء الأخوة الثلاثة موضع رعاية أخيهم السلطان محمد فضل سنوات طويلة بوصفه وصيا عليهم . ولكن معاملته لاخوته لم تلبث أن تغيّرت ، وذلك حين شب أولاده عن الطوق . فقد عزم السلطان محمد فضل أن يضمن لأولاده اعتلاء عرش دارفور ، وذلك بأن يقضى على كل منافسة متوقعة من ناحية أعمامهم . وفي سبيل تنفيذ هذه الخطة المحوطة بالحذر ، بدأ السلطان محمد فضل بقتل محمد بخارى أكبر اخوته الثلاثة . وفي نفس الوقت نصح أخويه الآخرين ، بأن يحذرا تعريض نفسهما لمثل مصير أخيهما . كان الأميران الصغيران يعيشان في تونج باسى ، وهي البيوت المخصصة