محمد بن عمر التونسي
344
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
وهنا أخذت أنا والشيخ التونسي ، نكرّر له القول بأن العناية الإلهية هي التي قادته إلى مصر ليتعلم منها وليوسع مداركه فيها ، وليرى مظاهر الحضارة الجديدة التي ينبغي له أن ينشرها بين أهل دارفور . وفي آخر مرة قابلته فيها - قبل رحيله من القاهرة إلى السودان - ذكرت له هذا القول مرة أخرى وقلت : من المؤكد أنك سوف ترى مدينة تندلتى من جديد بفضل مساعدة محمد على ، وسوف يستقبلك الناس سلطانا عليهم . ولكن اذكر أنت أن هذه الحوادث الخطيرة لا تقع لمصلحة شخص وحده ، وأن اللّه لا يقبل هلاك الناس من أجلك ومن أجل مصلحتك لكي تحكم أنت البلاد بنفسك ولخدمة أغراضك . ان أخاك السلطان لم يمت أثناء هروبك لكي تتربع أنت في دست السلطنة ، دون أن تهتم بشؤون أهل بلدك . ويبدو أن العناية الإلهية قيضت لك كل شئ لتفتح أبواب الحضارة لأهل السودان . انك رجل ذو حظ عظيم ، ولا تنس ذلك أبدا . كان الأمير أبو مدين على جانب كبير من الذكاء ، وأدرك مغزى حديثي معه ، وأقسم خلال هذا الحديث أنه سوف يهتم بهذا الموضوع اهتماما كبيرا . وابتسمت ابتسامة تقتضيها أفكاره عن النظام الطبقي في دارفور ، وقلت : عندما تجلس في دست السلطنة ، الذي تركه لك أبوك التقى السلطان عبد الرحمن ، ارجع إلى محمد على مرة أخرى . وتخيّر عشرين أو ثلاثين من أذكى أبناء حاشيتك وأكثرهم مقدرة على الكلام باللغة العربية وأرسلهم إلى مصر . ومن المؤكد أن والى مصر سوف يعاملهم معاملة كريمة ، والواقع أنه إذا عرف محمد على أنك تقتفى أثره ، فإنه سوف يهتم بتعليمهم ، وسوف يردهم إليك رجالا متعلمين ، فيكونوا أعظم هدية يقدمها ملك إلى آخر . وعندما ذهبت لوداع أبى مدين ، قبل سفره بأيام ، ذكّرنى بحديثى معه والأفكار التي أبديتها له أنا والشيخ التونسي .