محمد بن عمر التونسي

329

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

ولقد أدركت حاكم هذه الطائفة وكان يسمّى : على كرتب ، وكان رجلا مسنا ضعيف الحركة ، من فقراء الجند ، لا يظهر عليه أثر الثروة . ثم إنه مات وولّى ابنه مكانه . وكان شابّا جسيما وخش الخلقة ، لكن يظهر عليه أثر الثروة . وكان يركب العتاق من الخيل ، وله خدم وأبّهة ، فانعقدت بيني وبينه صحبة ، وذهبت إلى داره عدة مرار ، وكان يسمّى : عبد اللّه كرتب . فاتفق أنى خلوت به في بعض المرار ، وسألته عما تقول فيه الناس من التشكّل ، وأنه يسافر مسيرة عشرة أيام في برهة . فشاغلنى بكلام آخر ، ولم يفدنى بشئ ، فتركته في ذلك الوقت ، وسألته ثانيا في وقت آخر ، فتبسّم وقال : سبحان اللّه ، ما كنت أظنّ أنك تصدّق هذا القول . ثم شاغلنى بغير ذلك ، حتى خرجت من عنده ، ثم أنكر معرفتي بعد ذلك ، وصار يمرّ علىّ ولا يلتفت لجهتى . وتركته أنا أيضا لما رأيت من تنكّره ، ولا أعلم لذلك سببا سوى تكرار سؤاله في ( 306 ) هذا الشأن . ولقد سافرت للغزو « 1 » مع ملك من الملوك اسمه : عبد الكريم بن خميس عرمان . وكان أبوه من أعظم وزراء السلطان ، ونقم عليه ، وأبّد سجنه حتى مات . وصار ولده خادما للدولة ، حتى أرسل للغزو في الفرتيت . وكان لي عليه دين ، فذهبت معه لأستوفاه « 2 » منه . فتوغلنا في بلاد الفرتيت مدة ثلاثة أشهر ، وكنّا في محلّ لا يوجد فيه شئ من البقول ولا الخضراوات « 3 » . فدعاني ذات يوم من الأيام ، فلما دخلت عنده وجدت بصلا أخضر وفقّوسا ، وكل منهما كأنّما أخذ من مقثأته الآن . فسألته عنهما ، ومن أين وصلا له ؟ فقال : من دارفور . فسألته عمن أتى له بهما ، وكيف بقيا طريّين مع بعد المسافة ، سيّما الفقوس ، فإنه كان غضّا بالكلية . فقال : قد جئ بهما في أقل زمن . وانظر إلى تاريخ

--> ( 1 ) المقصود بالغزو هنا : الإغارة على احدى الجهات للحصول على الرقيق . Voyage , p . 357 . ( 2 ) كذا وهي صيغة عامية . ( 3 ) في الأصل : الخضروات .