محمد بن عمر التونسي

318

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

وكأني لم أرمد بهما ، فذبحت إذ ذاك كبشا سمينا وليمة لشفائي ، وأعطيت العجوز جديا سمينا . * * * وغالب النبات والشجر يثمر في آخر زمن الخريف ، وهو الصيف عندنا ، لأنهم يسمّون صيفنا : خريفا ، وخريفنا : درتا . وفي عرفهم يعنون به : الربيع ، وربيعنا : صيفا . ولم يوافقونا إلّا في الشتاء . فإن الشتاء عندهم هو الشتاء عندنا . وفي الصيف الحقيقي تمطر السماء عندهم ويزرعون ، لأن أول سقوط المطر عندهم في الجوزاء ، ويسمّونه : الرّشاش . وفي السّرطان تنفتح عزالى « 1 » السحاب ، ويكثر المطر ، وتمتلئ الأودية ، وبذلك تعلم سبب زيادة النيل المبارك . ومما يؤكد أن كثرة الأمطار عند أهل السودان ، هي السبب في كثرة نيل مصر ، ما وقع من الاتفاق أن « 2 » سنة 1253 « 3 » هجرية ، وقع في مصر غلاء عظيم حتى أبيع الأردب من القمح بمائة وخمسين غرشا بل أكثر ؛ وسببه عدم فيضان النيل كعادته . وحينئذ كنت متشكّكا هل وقع ذلك بأرض السودان أم لا ؟ وبقيت على الشكّ إلى سنة 1257 « 4 » ، فجاء القاضي الدّليل ، قاضى القضاة بمملكة الواداى ، فأخبرني أنه في تلك السنة قل القطر ، حتى أجدبت الأرض ، وغلت الأقوات ، وأكلت الناس

--> ( 1 ) العزالى بكسر اللام وفتحها جمع عزلاء وهي مصب الماء من الراوية وغيرها . ( 2 ) كذا ( 3 ) 1253 ه - 1837 م . ( 4 ) 1257 ه - 1841 م .