محمد بن عمر التونسي

299

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

وقد شاهدت محالّ استخراج هذا الملح ، ورأيت أواني التّقطير ويشابهون « 1 » البرام الأفرنجية ، ولا نعلم من أوصل هذه الصناعة إليهم . وأهل البلد لا يعلمون أيضا ، بل قصارى أمرهم إذا سئلوا وقال لهم قائل : من علّمكم هذه الصناعة ؟ أن يقولوا : شئ وجدنا آباءنا يفعلونه ( 274 ) ففعلناه ، ولا نعرف أول من صنعه . ولقد عاملت بهذا الملح واشتريته ، وله لذّة عجيبة في طعمه ، تخالف لذّة الملح الطبيعي ، إلّا أنه غير شفّاف وفيه سمرة . وأنواع الملح في دارفور ثلاثة ، زغاوى : وهو ملح طبيعي يخرج من بئر الزغاوى ، [ وفلقو ] وقد قدّمنا ذكره ، وميدوبى : وهو ملح طبيعىّ أيضا ، إلّا أنه لونه أحمر كالدّم ، وقد يستخرج قطعا كبارا كأحجار « 2 » الطاحون في العظم والاستدارة . وثقله لا يحمل الجمل منه إلّا حجرين ، وله طعم لذيذ أكثر من النّوعين الآخرين ، وأغلى « 3 » ثمنا منهما ، ولا نعلم ما سبب احمراره . وبالجملة فأغلى الأملاح الميدوبى ، وأوسطها الفلقو ، وأدناها الزّغاوى . فأهل سوق قرلى وما والاها يتعاملون بالملح الفلقو في سفاسف أمورهم ، كالحرش في كوبيه ، والتّارنيه في الفاشر . ولا يباع عندهم الملح بكيل ولا وزن ، بل بالأصابع ، فيباع هذا الشئ بفلقويه ، بفلقويتين « 4 » ، بثلاثة « 5 » فلقويات وهكذا وباقي الأمور هم كغيرهم .

--> ( 1 ) كذا في الأصل : ( 2 ) في الأصل : كبار كالحجار . ( 3 ) في الأصل : وأغلا . ( 4 ) في الأصل : بفلقوبه بفلقوتين . ( 5 ) كذا .