محمد بن عمر التونسي

239

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

وتقول لهنّ : أيتّها البنات ، أريد منكنّ في هذه الليلة أن تؤانسن ( 215 ) أضياف الملكة . فيقلن لها : حبّا وكرامة . [ وحينئذ تتقدم الميرم ] « 1 » - وهي تعلم كلّ صبيّة ومحبوبها - فتقول : يا فلانة ، كونى مع فلان ، وأنت يا فلانة ، كونى مع فلان ، وهكذا حتى لا يبقى إلّا التي لا محبوب لها ، أو الذي لا محبوبة له ، فيأخذ كلّ شابّ محبوبته ويبيت معها ، إن وسعهم المحلّ الذي هم فيه . وصورة ذلك : أن يبيت العريس وعروسه ، والميرم والوزير ، وكلّ زوجين معا ، صفّا أو صفّين ، على حسب سعة الموضع ؛ وإن لم يسع المحلّ جميعهم ، بقي من وسعه « 2 » المحلّ مع العروسين ، وذهب الباقي . فكلّ شابّ منهم يأخذ محبوبته ويتوجّه بها إلى بيتها ، أو إلى بيت بعض أحبابها ، ولا يذهب بها إلى بيته ، لأنها لا ترضى ذلك ، لأن عادتهم أن الشّابّ متى ما أحبّ صبيّة ، وعلمت أمّها بذلك ، لا تقابله أبدا ولا يقابلها ، وإذا رأته في طريق ، ولم تر لها مخلصا منه بركت في الأرض وسدلت ثوبها على رأسها ووجهها حتى يمرّ ، وهو كذلك يفعل . يعنى : إن رآها وعرفها ، يرجع على عقبه هاربا إن أمكنه ذلك ، وإلّا أدار وجهه لنحو حائط أو شجرة حتى تمرّ . ثم يرسل لها السلام إن كان معه أحد ، وكذلك هي تفعل بعد مروره ؛ [ و ] إن لم يكن معه أحد ، ترسل له السلام إن كان معها أحد . وهذا كلّه عندهم من نوع الحياء والتعظيم . وعندهم أهل الزّوجة محترمون ، فأمّها ( 216 ) كأمّه بل أشدّ احتراما ، وأبوها كأبيه بل أشدّ ، وإخوتها كإخوته ؛ وهي مثله في ذلك ، إذا رأت أمّه أو أباه فرّت وسلكت طريقا غير طريقهما ، وترسل السلام [ إليه ] أو يرسل إليها ، ولا تواجه أحدا منهما ، وتعتبر أباه

--> ( 1 ) زيادة يقتضيها السياق وهي عن الترجمة الفرنسية Voyage , p . 236 ( 2 ) في الأصل : وسعه ، بفتح السين .