محمد بن عمر التونسي

200

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

فتسمع الناس ، خصوصا وأن من كانت له دعوى « 1 » يترقب ذلك اليوم ، فيجلسون كلّهم في الفاشر . وإنّ الكماكلة « 2 » دائما جالسون في الفاشر لسماع الدّعاوى ، وإن أرباب المناصب والمراتب يترقّبون في ذلك اليوم جلوس السلطان في الديوان . فتحضر التراجمة المسمّون بخشم الكلام ، والعقدة « 3 » والملوك على طبقاتهم ، ويحضر القاضي وأشراف الناس والعلماء ، فيجلسون في ظلّ شجر في الفاشر يسمّى ذلك الشجر بالسّيال « 4 » . فمتى أخرجت الراية من الطاق وضربت البرديّة ، دخل خشم الكلام ورقى من سلّم في داخل البيت ، وخرج من طاق لمصطبة معدّة لجلوسه ، بحيث يصير قريبا بمسمع من السلطان ، ووقف هناك ، واصطفّت العساكر ، وجلس القاضي والعلماء

--> ( 1 ) في الأصل : دعوة . ( 2 ) الكماكلة ، جمع : كمكولاك ( Kamkolak ) ، وهم جماعة المستشارين الذين يحضرون مجلس السلطان حين النظر في الدعاوى والمنازعات Voyage au Darfour , p . I 92 . ويمكن تشبيههم بالشهود في القضاء الاسلامي في العصور الوسطى ، أو بالمحلفين في القضاء الإنجليزي . ( 3 ) العقدة ، جمع : عقيد ، وهم ولاة الأقاليم ولهم ممثلون دائمون في فاشر السلطان . Voyage au Darfour , p . I 92 . ( 4 ) السيال : كما جاء في القاموس - جمع سيالة ، وهو نبات له شوك أبيض طويل ، إذا نزع خرج منه اللبن ، أو ما طال من السمر ( بفتح السين وضم الميم ) . وفي حاشية الترجمة الفرنسية ( Voyage au Darfour , p . I 93 ) . نقلا عن مؤلف الكتاب : أن السيال نوع من شجر السنط ، متوسط الارتفاع ذو لحاء أخضر مائل إلى السمرة . وكان في فاشر واداى حين زارها الشيخ التونسي بضعة أشجار زرعت منذ سنوات ليستظل بها القائمون على القضاء هناك وكذلك بضعة أشجار أخرى يأوى إليها الكماكلة . وقد رأى التونسي ثلاثا أو أربعا من شجر السيال قديمة جدا يتفيأ ظلها السلطان أيام الجمع وحين يستعرض الجيش في واداى ، ومن حوله رجال حاشيته وخدمه وعبيده الذين يحيطون به إحاطة تامة حتى لا يراه أحد .