محمد بن عمر التونسي

175

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

أو غدر ، لا يمكن أن يأكل من هذا اللحم . وإن تعلّل أحد بأنه مريض ، أو لا يقدر على حضور [ الوليمة ] ، أرسلت إليه أواني منه مع حارس أمين ينظر ، هل يأكل أولا ؛ فإن أبى يقبض عليه ؛ إلّا إذا كان معذورا بقوّة مرضه . وبعض أهل دارفور يقولون : إنه يؤتى بغلام وصبيّة لم يبلغا الحنث « 1 » ، ويذبحان سرّا ، ويقطّع لحمهما ، ويجعل في القدور مع لحم الحيوانات المذبوحة . وبعض الناس يقول : لا بدّ وأن يكون اسم الغلام محمدا ، واسم الصّبيّة فاطمة . وإن صحّ هذا ، فهو غاية الكفر باللّه ورسوله . ولكني لم أشاهد ذلك ، ولم أقف عليه ، لأنى غريب ، والأغراب لا اطّلاع لهم على مثل ( 158 ) هذا الأمر أبدا ، لكنّى سمعته من أناس كثيرين ، يحلفون لي بأيمان مغلّظة ، أنّ هذا الكلام صحيح لا ريب فيه . وقبل إخراج الطعام تحضر العساكر كلّها ، ويقفون في بطحاء واسعة ، أمام دار السلطان ، ثم يخرج السلطان عليهم في زينته وأبّهته ، فتعرض عليه الجيوش ، كلّ ملك بأتباعه ، واحد « 2 » بعد واحد . وكيفية العرض أنّ الملك يأخذ أتباعه ويركض ، حتى يصل إلى محل السلطان ، فإن كان من العظماء برز السلطان من جماعته إلى ملاقاته ، مقدار خطوتين أو ثلاثة ، وإن كان غير عظيم ثبت السلطان في موضعه ، فيرجع الملك وجماعته ، ويفعل ذلك ثلاث مرات ، وفي الثالثة يعرضون على السلطان ، ثم يرجعون إلى محلّ وقوفهم ، فيخرج ملك آخر بجيشه ويفعل كذلك ، وهلمّ جرّا .

--> ( 1 ) في الأصل : الحتث ، وهو تصحيف . والحنث : الادراك والبلوغ يقال : بلغ الغلام الحنث ، أي الادراك والبلوغ ، وقيل : إذا بلغ مبلغا جرى عليه القلم بالطاعة والمعصية . ( اللسان ) ( 2 ) كذا ، والعبارة عامية فيما يبدو .