محمد بن عمر التونسي
156
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
- وهو قرون صغيرة رفيعة ، أكبر من حبّ الشّعير بقليل - والكمّون والكسبرة ، ( 140 ) والحلبة والقثّاء والقرع شئ كثير . وكان ذلك في أيام الخريف ، وقد احمرّ البلح ، فقطعوا لي عرجونين من البلح أحمر وأصفر ، وأهدوا لي بخسة « 1 » عسل لم أر نظيره حسنا وطعما ولذّة . وبتنا في أكرم ضيافة وألذّ عيش . ولما أصبح الصباح طلبت التفرّج ، فأخذوني ودخلنا الأودية ، فصرنا نقطع واديا « 2 » بعد واد . وبين كلّ واديين أقلّ من ميل مسافة ، وفي كلّ واد زرع عجيب ، وماء يتدفّق على رمل كالفضة ، وقد أحاط الشجر به سياجا من حافتيه ، يتمنى الناظر ألّا يفارقه . فجلسنا على شاطىء الوادي في ظلّ شجرة هناك ، وذبح لنا كبش سمين وحنّذ ، فأكلنا منه إرادتنا ، ثم ذهبنا لبلد تحت الجبل ، فبتنا فيها في أكرم ضيافة . ولما أصبحنا صعدنا الجبل ، فمكثنا صاعدين نحو ثلاث ساعات حتى علوناه ، فرأينا فيه أمما كثيرة ، وبلادا متفرّقة ، فأدخلونا على شيخ الجبل ، وكان حينئذ يسمى : أبا بكر ، وهو جالس في خلوته . فلما دخلنا عليه ، وجدناه رجلا مسنّا قد ناهز الستين ، وأثّر فيه الكبر ، فسلّمنا عليه ، فرحب بنا وأجلسنا . لطيفة : هذا الجبل لا يرتفع عنه السحاب في السّنة إلّا أياما قلائل ، ولكثرة المطر يزرعون القمح ، وينبت عندهم قمح لا يوجد نظيره إلا في بلاد المغرب ، أو في بلاد أوروبّا ، لأنه حسن جدا . وبقية دارفور ( 141 ) لا ينبت عندهم قمح لعدم الأرض
--> ( 1 ) البخسة : كلمة عامية سودانية معناها : إناء من الفخار يحفظ فيه الماء أو السمن أو العسل . ( 2 ) في الأصل : واد .