محمد بن عمر التونسي
157
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
الصالحة ، ولعدم الأمطار إلّا ماقل ، كأرض كوبيه وكبكابيّة ، فإنه يزرع فيها القمح ويسقى بماء الآبار ، حتى يتمّ نضجه . ولزيارة الشيخ المذكور يوم معلوم من السنة ، تذهب إليه الناس من كل جانب ، ويقول لهم ما يحصل في جميع العام ، من قحط ومطر ، وحرب وسلم ، ورخاء وشدة ، ومرض وصحة ، والناس يعتقدون حقيقة ذلك ، فاختلف أهل دارفور في ذلك ، فمن قائل : إنه من طريق الكشف ، وإن كلّ من تولّى شيخا يكون وليّا ، وما يقوله للناس من طريق الكشف ، وهذا قول أهل العلم . ومن قائل : إن الجانّ يخبره بجميع ما يحصل ، وهو يقول للناس « 1 » . وكلا القولين لا أعرف صحتهما ، بل قد تقوّلت عنه أمور كثيرة ، وحصل ضدّها . فأبرزنا فرمان السلطان ، وقرأه عليه الفقيه محمد ، فرحّب وأكرم ، ودعا لنا بطعام ، ثم ضرب طبلا يقال له : التّنبل . فجاء أناس كثيرون ، فانتخب من شبابهم نحو مائة نفر ، وأرأس عليهم رجلا من ذوى قرابته يعرف بالشجاعة ، يقال له : الفقيه زيد . وأمره أن يكون معي هو والجماعة ، وأن يكونوا على أهبة وحذر من جهّال أهل الجبل . ثم ركبنا وتوجّهنا إلى مكان هناك ، فيه جبل صغير وهو المسمّى : مرّة ، وسمّى الجبل كله باسم ذلك المحلّ ، فرأينا فيه مكانا أشبه بمعبد ، جميع أهل الجبل ( 142 ) يعتقدون تعظيمه ، ويرون أن حرمته كحرمة المساجد . فدخلنا فيه وقد أظلّته شجرة كبيرة ، بحيث صار لا تراه الشمس . فجلسنا فيه قليلا ، ورأينا فيه خدما لتنظيفه ، واستقبال النذور ممن يأتي بها .
--> ( 1 ) قارن هذا بما جاء في ماكما يكل خاصا بوجود بقايا عادات وثنية قديمة في دارفور . Mac Michael , H . A . : op . cit . , p . p . Ioo - I 03 .