محمد بن عمر التونسي
155
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
رحب ، فأخبرناهم بمقصدنا ، وأظهرنا لهم أمر السلطان ، فاهتموا حينئذ بشأنى ، وأعظموا ضيافتى ، فبتنا ليلتنا تلك . ومن الغد ( 139 ) توجّهوا بي إلى سوق نمليه ، وهو سوق يعمر في كلّ يوم اثنين ، [ و ] يحضره جميع أهل الجبل رجالا ونساء ، يقضون مصالحهم . فرأيت أناسا شديدين « 1 » السواد ، حمر الأعين والأسنان . وحين رأوني اجتمعوا علىّ ، متعجّبين من احمرار لونى ، وأتوا إلىّ أفواجا أفواجا ، لأنهم لم يقع لهم رؤية عربىّ قبل ذلك ، وأرادوا قتلى على سبيل الاستهزاء - وكنت إذ ذاك لا أعرف من لغة الفور شيئا - فما راعني إلا أنى رأيت من معي من الناس اختطفوا سلاحهم ، وجرّدوه في وجوه القوم ، وحالوا بيني وبين القوم ، فسألت عن السبب ، فقالوا لي : إنهم يريدون الفتك بك . فقلت : لماذا ؟ فقالوا : لقلّة عقولهم ، لأنهم يقولون : إن هذا لم ينضج في بطن أمّه ، وبعضهم يقول : لو نزلت عليه ذبابة لأخرجت دمه . فقال أحدهم : اصبروا ، وأنا أطعنه بحربة ، وأنظر مقدار ما « 2 » ينزل منه من الدم . وحين سمعنا منهم ذلك ، خفنا عليك ، وأحطنا بك . ثم إن الجماعة أخرجوني من السوق ، فتبعنى خلق كثيرون ، فطردوهم عنى بكل جهد ، ثم ذهبوا بي إلى واد هناك ، فرأيت فيه نخيلا وأشجار موز ، وبعض أشجار من اللّيمون . ورأيت [ ما ] قد زرع في ذلك الوادي من البصل والثّوم والفلفل الأحمر
--> ( 1 ) كذا في الأصل ، وهي لهجة عامية ، بدل : شديدي السواد . وقد مضى نظير لهذا في ص 110 حاشية 2 . ( 2 ) في الأصل : ما مقدار .