محمد بن عمر التونسي

110

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

بجيش ، ويعسر أمره ، ويطول الحال بينهما . فجدّ في طلبه ، حتى أدركه بمحلّ يقال له : جركو « 1 » . وكان في طليعة جيش السلطان ، الأمين محمد دكّمى بن الأمين على ودجامع ، الذي سمّ نفسه في كردفال كما سبق . فلما التقى الجمعان ظنّ الخليفة أن الجيش هذا فقط ، فكرّ راجعا ( 103 ) عليهم ، وناوشهم القتال ، وقاتل بنفسه ، ففرّت الناس أمامه ، حتى وصل إلى الأمين محمد دكّمى ، فوقف أمامه وصار يضر به بالسيف ، ويقول له : يا عبد يا خائن يا غدّار ، ألك عين ترفعها ، تخون نعمتي ونعمة أبى ، وتأتى لقتالى ؟ والأمين ساكت لا يتفوّه بحلوة ولا مرّة ، لكن كان لابسا درعين ؛ فلم يعمل سيف الخليفة فيه شيئا . فلما أعيا الخليفة أمره ، تركه وأراد أن يذهب ؛ فصبر عليه الأمين محمد حتى التفت ، وضربه على عانقه الأيمن بالسيف - وكان ذا قوة - فكسر عظم ترقوته ، وانكسر السيف من مقبضه ، وطار في المجال ، فخدرت يد الخليفة وأرخى ذراعه ، وعلم بذلك الأمين محمد ، فطمع فيه وأراد أن يقبض عليه ، فأدركته جماعته فخلّصوه منه . وانهزم حينئذ جيش الخليفة ، وتبعه الأمين محمد بجيشه ، وأرسل السيف المكسور إلى السلطان عبد الرحمن يعلمه بما وقع ، فأرسل السلطان في الحال للأمين محمد سيفين عظيمين محلّيين ، وأمره بالمسير خلفه ، وأنه على أثرهم . وكان حينئذ بالعسكر رجل من أبناء العرب يقال له : زبادى ، قيل إنه من فلاحين « 2 » مصر ، وكان يصطاد بالبندق ويصيب . فتجاسر على السلطان وقال له :

--> ( 1 ) الراجح أن المقصود بذلك جركول الواقعة على مسافة قصيرة من مدينة الفاشر عند خط عرض 3 : 14 وخط طول 55 : 25 . ( 2 ) كذا في الأصل : بثبوت النون في جمع المذكر السالم المضاف ، وهو ما تبيحه العامية ولا تعرفه الفصحى .