محمد بن عمر التونسي
109
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
أعدّ كمينا في محلّ منخفض ، وقال لهم : إني أتقهقر بالعساكر ، وهم يطمعون فىّ ويأتوز خلفي ، فإذا رأيتموهم فعلوا ذلك ، فاصبروا حتى تروهم أمامكم ، ثم اكمنوا « 1 » من خلفهم ، وانزلوا فيهم ، وأثخنوا فيهم ، ونحن نرجع عليهم ، فنكون أمامهم ، وأنتم خلفهم ، فلا يفلت منهم أحد . وكان الأمر كذلك . فحين التقى الجمعان تقهقر جماعة الخليفة ، فظنّ جماعة السلطان أنه انهزم ، فأوغلوا فيهم ، حتى صاروا أمام الكمين وهم لا يعلمون ، فخرج الكمين عليهم ، وأثخنوا فيهم بالقتل ، وكرّ الخليفة راجعا ، فتضعضع جيش السلطان ، واختلّ أمرهم ، وتشوّش ( 102 ) صفّهم ، وقتل باسى ريفا أخو السلطان [ و ] أمير الجيش ، وقتل أكثر الجيش ولم ينج منهم إلا القليل . وحينئذ قويت شكيمة الخليفة ، وطمع في أن يرجع إلى السلطان ويقاتله ، وما علم أن الأمور بالخواتيم . ولما سمع السلطان بموت أخيه ريفا ، اغتمّ غما شديدا ، ولام نفسه على القعود عن الحرب ، وقال : لو لم أسمع كلام الناس ، وتوجّهت بنفسي ، لم يحصل هذا الأمر ، « وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً » « 2 » . ثم ارتحل من يومه ، وقصد جهة الخليفة بجيش يسدّ السهل والوعر ، وجاءت عيون الخليفة ؛ فرأوا جيش السلطان وما فيه من العساكر ، التي لا يقدر الواصف على وصفها ، والعادّ على حصرها ، وأسرعوا بالخبر إليه ؛ فخاف على نفسه وجماعته ، فأصبح راحلا قاصدا بلاد الزّغاوة ، لأن ملكها خاله يريد أن ينزل عليه ، ليمدّه بجند من عنده . فسار يقطع الأرض ليلا ونهارا ، والسلطان على أثره ، لأن الجواسيس أخبروه بقصده ، فخاف السلطان أنه إذا وصل إلى زغاوة يمدّه خاله
--> ( 1 ) في الأصل : كنوا . ( 2 ) سورة الأحزاب ، آية 38