محمد بن عمر التونسي

108

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

أبيت فالإثم عليك ، وأنت المذموم ؛ وإن أصررت على القتال فالرعية لا ذنب لها ، فعفّ نفسك عن أموال الناس ، وها هو مالي بين يديك ، خذ منه ما شئت ، حتى يحكم اللّه ، والسلام . فلما وصل إليه الكتاب وعلم ما فيه ، مزّقه ولم يردّ له جوابا ، وزاد شرّه ، وكثر شاكوه ؛ فأرسل إليه ملك الجهة الشمالية ، ويسمى بالتّكنياوى في جيش ، فذهب إليه التكنياوى فأدركه في محلّ يقال له : بوّا « 1 » ، فحين رأى الخليفة الجيش قد أقبل ، رتّب صفوفه ووقف حتى وصل إليه الجيش ، والتقى الجمعان ، وكان جيش الخليفة قد أثّر فيه الرّعب من وقعة تالدوا ، فأراد الانهزام فثّبتهم الخليفة ، واقتحم الحرب بنفسه ، هو وجماعة من تربه « 2 » ، ( 101 ) فكان كلّما حلّ في جهة يفرّون منه ، حياء لا خوفا ، حتى دخل في القلب ، ووصل إلى التكنياوى ، فقال له : يا عبد السّوء ، ألست عبد أبى ، تغدر وتقاتلنى ؟ ، وجرّد حسامه وضربه حتى قتله ، وحين خرّ قتيلا تشوّش صفّه ، وانهزم جنده ، وتبعهم عسكر الخليفة ، فأخذوهم قتلا وأسرا ونهبا ، ولم ينج من الفلّ « 3 » ، إلا القليل . وغنم الخليفة خيلهم وسلاحهم ، وما كان معهم ، فانجبر خاطره ، وأمّل النّصرة على عمّه ، وتقوّى بما حصل له من الغنيمة . وبلغ ذلك السلطان عبد الرحمن ، فاغتاظ ، ثم أرسل أخاه ريفا مع جيش آخر ، فأدرك الخليفة في بوّا أيضا . وحين رآه الخليفة رتّب صفوفه وعبّا « 4 » عساكره . وكان قد

--> ( 1 ) بوا : واد يقع شمالي دارفور عند خط عرض 16 : 14 وخط طول 37 : 24 . ( 2 ) الترب هنا بمعنى : السن ( 3 ) الفل : المنهزمون . ( 4 ) في الأصل : عبى .