محمد بن عمر التونسي

89

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

فصبر الأمين علىّ حتى جنّ اللّيل ، ولبس درعين سابغين متينين ، ولبس ثيابه عليهما ، وتقلّد بسيفه « 1 » . ودخل دار السلطان وقصد حجرة ابنته ، لما يعلم من حب السلطان لها ، لأن السلطان كان له بها مزيد اعتناء ، فكثيرا ما كان يجده عندها . فلما دخل عليها عرفت الشّر في وجهه ، وخانه جدّه أن السلطان لم يكن عندها في تلك الليلة . فسألها عن السلطان . فقالت : لا أعلم أين هو . ولكن إن ( 82 ) أردت ، بحثت لك عنه ، وأعلمته « 2 » بقدومك . فقال لها : نعم ما تصنعين ، لأنّى شديد الاحتياج إليه في هذه الليلة . وكانت في وقت محادثتها له ، رأت طوق الدّرع من تحت طوق الثوب فتأكّدت الشّرّ ، وذهبت إلى محلّ السلطان ، وأعلمته أن أباها جاء طالبا له ، وأنها رأت منه أمورا أنكرتها . منها : أنه لابس درعا تحت ثيابه ، ومتقلّد سيفه . مع أن العادة [ أنهم ] لا يدخلون على السّلطان بسيف أبدا . ومنها : أن في وجهه علامة الغضب . فأحسّ السلطان بالشر لأنه هو الذي كان يلحّ عليه بالعود . ويبالغ في القول له . فأمرها ألّا تعود إليه . وخرج السلطان ، ونادى كبراء العسس ، وأمرهم بالقبض على من جاء خارجا من الدار ، وإن أفلت منهم لا يلومون إلّا نفسهم . وأخذ هو جماعة منهم حرسا له ، متأهّبين بأسلحتهم ، وغاص في لجّة داره ، ودخل في حجرة « 3 » بعض نسائه ؛ واحتاط الحرس بها . فجلس الأمين علىّ في انتظار ابنته تعود ، فلم تعد إليه بخبر السلطان ، أو أنّ السلطان يأتي إليه ليبلغ أربه منه ، فلم يأته أحد ، بل كان كالباحث عن حتفه بظلفه ، والجادع

--> ( 1 ) كذا . ( 2 ) في الأصل : واعلمه . ( 3 ) في الأصل : حجر .