محمد بن عمر التونسي

79

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

ثم ألقاه عليها ، فأخذته وقرأته ، وكتبت له فيه ، من الكامل « 1 » : خيرا رأيت ، وكلّ ما أمّلته * ستناله منّى برغم الحاسد وتبيت بين خلاخلى ودمالجى * وتحلّ بين مراشفى وسواعدى ونكون أول صاحبين تلاقيا * رغم الزمان بلا مخافة حاسد ورمت القرطاس إليه ، فالتقفه « 2 » الخليفة قبل أن يصل إليه . فلما قرأه احمرّت عيناه ، وكاد يتميّز غيظا ، وقال : ما حملكما على ما صنعتما ، أحبّ ( 74 ) قديم بينكما ؛ أم عشق خامركما في هذه الساعة ؟ فقالا : بل واللّه في هذه الساعة ، ولم يكن لنا به عهد قبل ذلك . وانهملت دموعهما ، فلما رأى منهما ذلك رقّ لهما ، وقال للمغني : خذها ولا تعد تقاربنا . انتهى . فعاش السلطان تيراب مدة مديدة كما ذكرنا ، وأكثر من الأزواج والسّرارى ، حتى كان له من الولد أكثر من ثلاثين ذكرا راكبين الخيل ، غير الإناث والصّغار . وفي أيامه تلك خدمه [ الأب ] الشيخ محمد كرّا ، وكان غلاما مراهقا ، فأمره أن يكون في الكور كوا « 3 » ، أي : أهل الحراب . أي : يكون مع الجماعة الذين يحملون الحراب خلف السلطان ، حين يركب وحين يجلس للحكم . ولا خصوصيّة للسلطان في ذلك ، بل كل ملك من ملوك الفور ، وقائد من قوادهم ، له جماعة يحملون الحراب خلفه ، حين يركب

--> ( 1 ) في هامش الأصل : الرجز . ( 2 ) التقفه : تناوله بسرعة . ( 3 ) يطلق اسم كوركوا في دارفور على حاملي الحراب وهم حرس السلطان أو غيره من الولاة والشراطى والدمالج ، ويطلق كذلك على الفرقة الموسيقية الملحقة بقصر السلطان ومن هم دونه من الحكام كذلك . فمن الكوركوا : المغنون ونافخو الصفافير وضاربو الطبول ومن إليهم Voyage au Darfour , pp . 62 , I 6 I , I 78 وفي ( Arkell : S . N . R . , XXXIII , I , p . 59 ) أن الكوركوا كانوا من طبقة العبيد .